Skyrock.comDécouvrir
  • ACCUEIL
  • BLOG
  • PROFIL
  • CHAT
  • Musique
  • Sources
  • Vidéos
  • Photos
  • Vidéos
  • Photos
  • Tasanté
  • Cadeaux
  • Facebook
  • Connecte-toi

    J'ai oublié mon mot de passe
  • Crée ton blog

  • Blog
  • Profil

G hercul

Photo de azerty1960

azerty1960

  • Envoyer un message
  • Offrir un cadeau
  • Ajouter à mes amis
  • Bloquer
  • Devenir fan
  • Choisir cet habillage

Ses Honneurs (2)

  • Anniv' 2 ans
  • Visit 100

» Suite

Son profil

Profil de azerty1960
azerty196052 ans
tanger
Maroc

Partage

  • Tweet
  • Messenger
  • Amis 0

Design by lequipe-skyrock Choisir cet habillage

Signaler un abus

Infos

  • Création : 12/01/2008 à 11:14
  • Mise à jour : 30/03/2011 à 15:44
  • 5 articles
  • 1 ami
  • 1 kiff

Ses archives (5)

  • دور الوقف في إدارة موارد المياه والمحافظة عل...
    موضوع البحث دور الوقف في إدارة موا...
  • زرهون في ذاكرةالتاريخ (بوعسل نموذجا ) دراس...
    ...
  • وجهك عذابي
    وجهك عذابي كم مرة ... كم مرة أحييك أحي...
  • Zerhoune Mon pays bien aimée
    زرهون الغربية إلى القرن التاسع عشر : ...

» Suite

Ses amis (1)

  • lequipe-skyrock

Liens Skyrock Publicité

Abonne-toi à mon blog !

RSS

دور الوقف في إدارة موارد المياه والمحافظة على البيئة








موضوع البحث




دور الوقف في إدارة موارد المياه
والمحافظة على البيئة






بسم الله الرحمان الرحيم




مـــقـدمــة










عرف المجتمع العربي الاسلامي نظام الوقف المائي منذ أربعة عشر قرنا ، حيث شكل قاعدة اقتصادية واجتماعية وروحية قوية ،ساهمت في تقوية روح التآزر والتكافل بين أفراد وجماعات المجتمع، حين كان نظام الوقف المائي يستجيب لحاجيات المجتمع المدني الى جانب تدعيم الوقف أيضا مختلف المجالات المدنية منها والعسكرية (الجهادية ).
ويسجل تاريخ الإسلام أن نظام الوقف بمفهومه الحضاري هو ابتكار إسلامي بامتياز، عبر من خلاله الإنسان المسلم الفرد عن الإحساس بالحاجيات الجماعية، وبذلك فإن هذا النظام يحمل في جوهره عوامل قوته و استمراريته رغم محاولات الإستعمار والأنظمة العلمانية اجتثاثه من المجتمع الإسلامي بعدة وسائل ، إلا أننا نلمس جهودا جادة تستحق التقدير والدعم المادي والمعنوي لإعادة تطوير هذا النظام وبعث دوره بقوة وفعالية .
قام نظام الوقف بدور بارز في تطوير المجتمعات الإسلامية وشملت تأثيراته معظم أوجه الحياة بما فيها توفير وتدبير الماء في المدن الإسلامية وحماية البيئة وتحقيق كل أشكال الأمن البيئي عبر تمويل الخدمات العامة .
كان للوقف دور كبير في توفير الأمن المائي للمسلمين منذ نشأة الدولة الإسلامية في المدينة المنورة ،وعملية وقف بئر رومة إشارة قوية من طرف الرسول صلى الله عليه وسلم ،( وهو الذي لا ينطق عن الهوى) وصحابته الكرام إلى أهمية الماء في الاستقرار البشري. والحكمة من الحظ على وقف بئر رومة كانت موجهة إلى كافة المسلمين في كل زمان ومكان .
ونحن في زماننا هذا في أمس الحاجة الى إحياء هذه السنة الشريفة و استثمارها استثمارا جيدا و ذلك بدعم الوقف المائي و تطوير آليات تدبيره وفق الأنظمة الحديثة عوض تمكين شركات غريبة عن العالم الإسلامي ،في إطار التدبير المفوض، من قطاع حيوي هو قطاع الماء وجعل سكان المدن الإسلامية الكبرى تئن تحت وطأة فواتير الماء الملتهبة .
ووعيا منا بأهمية تصالح المجتمع الاسلامي الحديث بكل فعالياته الثقافية ، مع ثراته الحضاري كأساس للتنمية المستدامة و التدبير المتكامل للمحيط البيئي، في عالم أصبح يعاني من تفاقم نذرة الماء و ازدياد مخاطر التلوث البيئي ، فإننا نؤمن بعمق الارتباط القائم بين نظام الوقف كنتاج حضاري إسلامي و تدبير معقلن لمصادر المياه، وفق شروط الإدارة المتكاملة لهذه المصادر التي نجد أسسها حاضرة بقوة في تدبير الأحباس لمصادر مياه مدينة مكناس بالمغرب الأقصى خلال القرن 12 هـ / 18 م.
و إسهاما منها لتحقيق هذا الهدف ، قامت الأمانة العامة للأوقاف بدولة الكويت الشقيقة بعمل جليل كعادتها في مجال تحريك آليات البحث الأكاديمي في مواضيع لازالت لم تحظ بالعناية الكافية من طرف الباحثين ، لما للمواضيع المقترحة من جدية و مسايرة لتطورات المرحلة الراهنة وحاجة لتعميق البحث فيها من طرف تخصصات مختلفة .
وقد انتقينا من بين هذه المواضيع ، موضوع :
"دور الوقف في إدارة موارد المياه والمحافظة على البيئة "
لاعتبارات ذاتية شخصية و موضوعية ، الأولى تتمثل في ارتباطه بالتخصص الذي تلقينا فيه تكوينا أكاديميا في الجامعة و مدارس التكوين ، والثانية تتجلى في أهمية الموضوع على الساحة الفكرية خلال الفترة الراهنة، ويفتح بابا جديدا للتوسع في مجال الفقه الاسلامي ، وما أحوجنا في المرحلة الراهنة الى الانفتاح على مواضيع فقهية من وجهة نظر تخصصات مختلفة .
و إننا إذ نتناول هذا الموضوع ذو المرجعية الفقهية بامتياز، بالدراسة و التحليل ، فإننا قد اعتمدنا مضمونه انطلاقا من وجهتين : تاريخية وثائقية من جهة أولى و جغرافية بيئية من جهة ثانية.
و ان تناوله بهذا الشكل ، أعطى للبحث مسحة علمية خاصة هذا بالإضافة الى كونه يفتح بابا جديدا و يثير إشكالات لازالت في حاجة الى المزيد من البحث و التدقيق لاكتشاف كنوز حضارتنا الإسلامية واستثمارها في إعادة بناء الذات و التخلص من كابوس الهيمنة الغربية التي تمكنت خلال حوالي نصف قرن ( المرحلة الاستعمارية ) من أن تخلخل علاقتنا بثراتنا وماضينا و أسس حضارتنا ، التي تمتد في الزمن الى أزيد من أربعة عشر قرنا .
ان هذا الواقع المؤلم ،وهذه المفارقة الغريبة ،هي التي تدعونا بإلحاح ،الى القول بضرورة تصالحنا مع ماضينا و ثراتنا ، و إعادة الثقة فيه ، و إحياءه ،عوض أن ننتظر هذا المستشرق أو ذاك(1) لينبهنا في إحدى دراساته الى القول بأن النوازل الفقهية مهمة لدراسة التاريخ الاجتماعي للعالم الاسلامي ، هذا ان دل على شيء فإنما يدل على ضعف البحث العلمي الجاد في مجال الثرات ، فما أحوجنا الى مؤسسات وفرق بحث تصب اهتمامها على كل المظاهر الحضارية المشرقة في ثراتنا العريق .
و انطلاقا من أهمية موضوع بحثنا "دور الوقف في إدارة موارد المياه والمحافظة على البيئة " فإن أوقاف المياه في تاريخ الاسلام ، كان لها وضع خاص لما لهذه المادة الحية من أهمية في الحياة عموما وفي حياة الانسان المسلم خاصة .
وقد تناولنا هذا الموضوع انطلاقا من ثلاث اشكاليات كبرى : اشكالية فقهية ، و تنظيمية و وثالثة اقتصادية .
الاشكالية الفقهية : تقوم على أساس مجموعة من التساؤلات :
* ما الفرق بين مفهوم الوقف عند فقهاء المذاهب الأربع ؟
* ماهي خصائص ملكية الماء في الاسلام ؟ وما الذي يجوز وقفه ؟

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أول من اهتم بكتب النوازل كمصدر للتاريخ هم المستشرقون ، فقد قال ليفي بروفنسال مطلع القرن العشرين في كتابه " تاريخ اسبانيا الاسلامية " بأن الجرد المنهجي لهذه الكتب سيساعد كثيرا على فهم تاريخ المجتمعات الاسلامية عبر التاريخ ، ثم اعتمدها اميل عمار في مجموعة الأرشيف المغربي ، ثم المستشرق الكبير برانشفيلك في مجلة الدراسات الاسلامية الذي اعتمد على النوازل كمادة تاريخية و اللائحة في مجال اعتماد المستشرقين على النوازل طويلة .


*ما هي مرجعية الوقف المائي في الاسلام ؟
*ما هي أهداف و أقسام هذا النوع من الأوقاف ؟
* كيف عالج فقهاء المالكية في الغرب الاسلامي مسألة وقف المياه ؟
الاشكالية التنظيمية : تركزت حول محور " علاقة الوقف بإدارة المياه من منظور مؤسسي وظيفي نموذج إدارة مياه مدينة مكناس في القرن 18م "و من أهم التساؤلات التي فرضت نفسها خلال هذا الفصل :
* كيف كان يتم التدبير الإداري و التقني لمياه الأحباس ؟
* هل كان تدبير مياه أحباس مكناس يرقى الى مستوى ما أصبح يعرف حديثا بالإدارة المتكاملة لتدبير موارد المياه ؟
* كيف كانت تساهم هذه الإدارة في الحفاظ على البيئة و التنمية المستدامة ؟
* ما هو دور الاستعمار الفرنسي في ضرب مؤسسة أحباس المياه بمكناس؟
الاشكالية الاقتصادية : تمحورت حول " اقتصاديات إدارة الوقف المائي بمدينة مكناس خلال القرن 18 " تجلت من خلال التساؤلات التالية :
* ما هو نمط إدارة موارد المياه الحبسية ؟
* كيف ساهم الطلب على الماء ( جزاء ، معاوضة وبيع ) في خلق موارد مالية للأحباس ؟
* كيف تم استثمار الموارد المالية لماء أحباس داخل مدينة مكناس ؟

و قد تناولنا هذه الإشكاليات انطلاقا من مجموعة من الدراسات والمراجع السابقة التي اعتمدناها كدعامة فكرية لتناول هذا الموضوع ، إلا أن ما نسجله هو نذرة الكتابات و المراجع في مجال أوقاف المياه ، مما دعانا الى الغوص في ما خلفه القدامى: مؤلفوا كتب الصحاح و السنن في أبواب خاصة : كتاب المساقاة في صحيح البخاري ، كتاب الأشربة في صحيح مسلم ، كتاب المياه و كتاب الأحباس في سنن النسائي , كتاب الوقف في صحيح بن حبان ... ثم ما خلفه أصحاب كتب النوازل كوثائق و فتاوى فقهية تتناول مختلف جوانب الحياة اليومية للأفراد و الجماعات في مجال العبادات و المعاملات ، وهي عبارة عن أجوبة الفقهاء على أسئلة فعلية أو افتراضية بمقتضى نصوص الشرع و الإجتهاد و القياس ، و قد قمنا بقراءة متأنية للجزأين السابع و الثامن من كتاب " المعيار المعرب والجامع المغرب عن فتاوي علماء افريقية والأندلس والمغرب" للفقيه العلامة أحمد بن يحيى الونشريسي و يعتبر هذا الكتاب بحق موسوعة جامعة و شاملة لقضايا تهم التاريخ الاجتماعي و الاقتصادي و الحضاري لشمال افريقيا و الأندلس ، و الجزأين المذكورين أورد فيهما الكاتب عدة نوازل و فتاوى في موضوع مسائل الماء و الأحباس تتماشى مع توجه المذهب المالكي و هو المذهب الرسمي السائد في دول الغرب الاسلامي حينئذ.
و نظرا لتناولنا نموذج تدبير الأحباس لماء مدينة مكناس ( عاصمة المغرب خلال عهد السلطان العلوي المولى اسماعيل ) فقد اعتمدنا على مرجع قيم في مجال موضوع بحثنا لما يوفره من وثائق تهمنا في الدراسة و التحليل و هو الجزء الثاني من كتاب " أوقاف مكناس في عهد المولى اسماعيل 1082 ـ 1139 هـ /1672 ـ 1727م"للأستاذة رقية بلمقدم و تكمن أهمية هذا المرجع بالنسبة لبحثنا في كونه يوفر عدد مهما من نسخ وثائق أحباس الماء بالمدينة خلال الفترة المدروسة منها :

ملحق 4 : تعيين ناظر عام للأحباس .
ملحق 16 : رسما تحبيس أعيان على سقاية الذهب .
ملحق 23 : رسم تقويم إصلاح قادوس ماء الوادي .
ملحق 24 : عقد أجزية أشكال من ماء الوادي .
ملحق 25 : رسم تحديد عدد أشكال الماء و توزيعها داخل المدينة.
ملحق 26 : الزيادة في عدد أشكال الماء .
ملحق 27 : ظهير تجديد تحبيس مياه عين تاكمة على المسجد الأعظم.
ملحق 28 : إشهاد بإصلاح تجديد قادوس عين تاكمة .
ملحق 29 : إشهاد بجواز تصيير وفر المساجد لإصلاح قادوس تاكمة .
ملحق 30 : رسوم تتعلق بإصلاح أملاك حبسية (إصلاح ساقية عين كدح ) .
ملحق 34 : استئجار شكل من الماء من قبل الراهب فرانسيسكو ورديان .

و هذه الملاحق المذكورة ، من أصل 37 ملحق ، هي عبارة عن وثائق مصور من حوالة الأحباس الكبرى بمكناس رقم 5 و التي يصل عدد صفحاتها الى 386 صفحة ، وهي وثائق حبسية ناذرة وجدنا فيها معلومات قيمة بخصوص إدارة الأحباس للمياه بمدينة مكناس خلال العهد الإسماعيلي .
هذا بالإضافة الى أن مجموعة من الدراسات التي لامست جوانب مختلفة من موضوع البحث كانت بالنسبة لنا نبراسا استعنا به خلال غوصنا في دهاليز وقنوات تدبير ماء الأحباس ، و منها دراسات مجموعة من أساتذتي الأجلاء الذين تتلمذت على أيديهم : الأستاذ الجليل محمد المنوني ، الأستاذ أحمد التوفيق ، الأستاذ بوشتى بوعسرية .
كما أشير الى أنني استفدت كثيرا من دراسات وكتب الأستاذ منذر قحف في موضوع الأحباس ومنها : " الوقف الاسلامي تطوه، إدارته ، تنميته " و " قضايا فقهية معاصرة في الأوقاف الإسلامية " و " صور مستجدة من الوقف " .
كما تناولت بعض الأبحاث الجامعية لنيل شهادة الإجازة، خاصة في الجغرافية، موضوع الماء في المناطق الجافة في الجنوب المغربي،إلا أن حضور الأوقاف في هذه الدراسات كان عابرا ، ورغم ذلك فقد استفدنا منها كثيرا لكونها دراسات مونوغرافية تشخص وضعية الخصاص المائي و محاولات السكان المحلية لتجاوز هذه الوضعية الصعبة ، ومنها بحثنا حول " الأنشطة الاقتصادية غير الفلاحية بواحة فكيك " قدم لنيل شهادة التخرج من المدرسة العليا للأساتذة بفاس وبحث حول "فكيك و مشاكل التنمية الاقتصادية" قدم بجامعة محمد بن عبد الله بفاس و بحث حول " مسألة الأرض والماء بفاصك" قدم بجامعة ابن زهر بأكادير .
كما أنني كنت خلال مرحلة البحث زائرا مواظبا على بعض المواقع النشيطة التي لها علاقة مباشرة مع موضوع بحثنا وأخص بالذكر منها :

www.habous.gov.ma
www.awqaf.org
www.al-islam.com
www.isegs.com
www.shareah.com

شكلت مجموع المراجع و الدراسات السابقة أرضية لتناول الموضوع الذي عملنا على تقسيمه وفق منهجية خطة البحث ، التي تقوم على مقدمة و ثلاث فصول و خاتمة و أضفنا له ملحقا لأهم المصطلحات الوقفية الواردة في البحث .

ـ المقدمة : تضمنت أهمية الموضوع ، دواعي اختياره ، منهجيته ، الإشكاليات الكبرى التي يطرحها ، الدراسات السابقة المعتمدة و خطة البحث .

ـ الفصل الأول : يتمحور حول "علاقة الوقف بالمياه و مصادرها من منظور فقهي تاريخي"
المبحث الأول: المفهوم اللغوي و الاصطلاحي للوقف.
المبحث الثاني : أهداف و أقسام الوقف المائي .
المبحث الثالث : مرجعية الوقف المائي في الاسلام .
المبحث الرابع :ملكية الماء في الاسلام.
المبحث الخامس :المراحل الكبرى لتطور فقه الوقف.

ـ الفصل الثاني : يتمحور حول " علاقة الوقف بإدارة المياه من منظور مؤسسي ـ وظيفي"
المبحث الأول : التدبير الإداري لمياه الأحباس .
المبحث الثاني : التدبير التقني لمياه الأحباس .
المبحث الثالث : إدارة مياه الوقف ... إدارة متكاملة .
المبحث الرابع : إدارة مياه الوقف...الحفاظ على البيئة و التنمية المستدامة .
المبحث الخامس : ماء مكناس بين إدارة الأحباس و الإدارة الاستعمارية .

ـ الفصل الثالث : يتمحور حول "اقتصاديات إدارة الوقف المائي"
المبحث الأول : نمط إدارة موارد المياه الحبسية .
المبحث الثاني : المرافق العامة و الخصة المستفيدة من
مياه الأحباس .
المبحث الثالث : استثمار ماء الأحباس داخل المدينة .
المبحث الرابع :الموارد المالية لمصادر المياه بمكناس.

ـ خاتمــــة : تضمنت أهم خلاصات البحث

ـ ملحق لأهم المصطلحات الوقفية الواردة في البحث .




أسأل الله سبحانه وتعالى العون ، ومنه التوفيق والسداد..
عبد الله بن ادريس الداودي







































الفصل الأول :
علاقة الوقف بالمياه و مصادرها من منظور فقهي تاريخي .










تمهـيـد
لقد أسهم الفقه الإسلامي وفقه الوقف خاصة، في تثبيت قواعد النظام التشريعي والقانوني في العالم الإسلامي في مجال الوقف، وتنظيم العلاقات بين كل الأطراف الفاعلة في المجتمع، مما وفر أرضية قوية لبناء صرح حضاري كبير، تجلت معالمه في تفاصيل الحياة اليومية للإنسان المسلم على مر العصور .
فقه وقف المياه مكون حضاري راق ،عرف تطورا هائلا خلال مراحل تطور فقه المذاهب الإسلامية في الزمان والمجال ،تجلى في ما خلفه الفقهاء والعلماء من فتاوي في نوازل مختلفـة .
برع الفقه المالكي في الغرب الإسلامي في معالجة مسائل الماء و الأحباس إلى درجة أن الباحث يصعب عليه جرد مجموع مؤلفات الفقهاء التي تناولت هذه المواضيع عبر العصور،ويمكن أن نعتبر كتاب المعيار بأجزائه الثلاثة عشر للفقيه الونشريسي موسوعة فقهية شاملة تضم فتاوى مختلفة بما فيها الأوقاف والمياه بالغرب الإسلامي .

1ـ تعريف الوقف :
ارتأينا أن نخصص حيزا في بداية بحثنا هذا، لتعريف الوقف من الناحية اللغوية و الاصطلاحية ، رغم إننا لن نقف كثيرا عند هذه التعاريف ، لكن حاجة البحث و خصوصيته تفرض علينا التوقف عندها كما تداولتها بعض المذاهب الفقهية الكبرى .
ـ المفهوم اللغوي و الإصطلاحي للوقف :
1 ـ 1 :المفهوم اللغوي :
في لسان العرب "وقف الأرض على المساكين وفي الصحاح للمساكين وقفا، حبسها ووقفت الدابة والأرض وكل شيء ، فأما أوقف ... فهي لغة رديئة " (1) .
في القاموس المحيط "حبس المال و حبس الخيل ...هو الموقوف في سبيل الله " (2)
في القاموس المحيط "سبل تسبيلا جعله في سبيل الله " (3)
ورد في كتابات الفقهاء و صكوك القضاة مرادفات : وقف ، حبس ، سبل ، أبد ، صدق ، حرم ...
و في عامية الشمال المغربي " السبيلة " (4) هي السقاية المبنية على قارعة الطريق ،مياهها جارية في سبيل الله .
في كتاب" تهذيب الأسماء و اللغات " ورد أن " الوقف و التحبيس و التسبيل بمعنى واحد " (5)
و بناء على ما سبق فإن كل من تناول مرادفات الوقف من علماء اللغة خلص الى أن الوقف هو الحبس ،واعتمد المصطلحين في الكتابات التاريخية بنفس المعنى، و نضيف مرادفات لغوية وردت في كتابات فقهية أشرنا إليها أعلاه هي التسبيل و التأبيد و الصدقة ...



ـــــــــــــــــــــــــــ
(1)إبن منظور، لسان العرب ، مادة وقف .
(2) الفيروزأبادي ، القاموس المحيط ، مادة حبس .
(3) نفس المرجع السابق ، مادة سبل .
(4)السبيلة من سبل بتشديد الباء يقول الفيروزأبادي : "فلان سبل الثمرة " أي أوقفها وجعلها في سبل الخير و أنواع البر .
(5) الامام النووي ، تهذيب الأسماء و اللغات ، ص194.



1 ـ 2:المفهوم الإصطلاحي:
لا يخفى أن لكل مذهب فقهي عدة تعريفات اصطلاحية لمفهوم الوقف و المجال لا يتسع هنا لبسطها ، لذا سنضطر للوقوف عند بعض التعاريف المشهورة لدى بعض فقهاء المذاهب الأربعة : المالكي ، الحنفي ، الحنبلي و الشافعي .
1 ـ 2 ـ 1 :تعريف الوقف عند المالكية :
عرف ابن عبد البر المالكي الوقف ب " أن يتصدق الانسان المالك لأمره بما شاء من ريعه و نخله و كرمه وسائر عقاره لتجري غلات ذلك و خراجه و منافعه في السبيل الذي سبلها فيه مما يقرب الى الله عز وجل و يكون الأصل موقوفا لا يباع ولا يوهب و لا يورث أبدا ما بقي شيء منه فمن فعل هذا لزمه ولم يجز له الرجوع فيه في حياته ولا يورث عنه اذا حيز وصحت حيازته ."(1)
1 ـ 2 ـ 2 : تعريف الوقف عند الحنفية :
الحبس عندهم حبس العين على حكم ملك الواقف و التصدق بالمنافع على الفقراء مع بقاء العين .(2)
1 ـ 2 ـ 3 : تعريف الوقف عند الحنابلة :
عرف ابن قدامة الحنبلي الوقف في كتبه(3) بأنه " تحبيس الأصل وتسبيل الثمرة " أو "تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة" و بهذا التعريف عمل الكثير من أتباع الإمام أحمد ، و بذلك جمع هذا التعريف بين التحبيس و التسبيل أي حالة الابتداء من خلال التحبيس و دوام تسبيل المنفعة .
1 ـ 2 ـ 4 : تعريف الوقف عند الشافعية :
عرفه الإمام النووي الشافعي المذهب بقوله " حبس مال يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه بقطع تصرف الواقف و غيره في رقبته ، وتصرف منافعه في البر تقربا الى الله تعالى ". (4)



ـــــــــــــــــــــــــــ
(1) ابن عبد البر ، الكافي ،ص1012.
(2) قاسم القونوي، أنيس الفقهاء، ص197.
(3)وردت تعريفات ابن قدامة (548هـ 620هـ )في كتبه المغني ، العمدة و المقنع .
(4) الامام النووي ، تحرير ألفاظ التنبيه ، ص 550.


ومن نماذج الخلاف الفقهي الذي تجلى بين فقهاء المذاهب ذلك الذي تجلى مثلا في حكم العين الموقوفة، هل تنتقل إلى ملك الموقوف عليه أم إلى ملك الله تعالى أم تبقى على ملك الواقف ؟
حيث إن الفقهاء ذهبوا في هذه المسألة إلى ثلاثة اتجاهات، وعرف كل فريق منهم الوقف بناء على مذهبه في حكم العين الموقوفة ، فتباينت تعريفاتهم تبعا لذلك الاختلاف .
وبيان ذلك أن الشافعية والصاحبين من الحنفية ذهبوا إلى أن العين الموقوفة تنتقل إلى ملك الله تعالى .
بينما ذهب أبو حنيفة والمالكية إلى أن العين الموقوفة تبقى على ملك الواقف .
وذهب الحنابلة إلى أن العين الموقوفة تنتقل إلى ملك الموقوف عليه .
رغم هذا الاختلاف و دقة تفاصيل تعاريف المذاهب الأربعة و تناول موضوع الوقف بإسهاب كبير من طرف جهابذة كل مذهب على حدة ، فإن الاتفاق كان على أن الوقف عموما هو صدقة جارية يقدمها الانسان المسلم في حياته من صافي ملكيته الخاصة يبتغي بها الخير و البر و المثوبة من الله سبحانه وتعالى ليمتد نفعها و أثرها لفائدة فاعلها حتى دار الآخرة، مادامت باقية ينتفع(رفع الياء) بها و منها .



















2 ـ مرجعية الوقف المائي في الإسلام :
لقد ذهب بعض الباحثين المعاصرين (1) الى البحث عن جذور تنظيم الوقف في ما عرفته شعوب اليونان القديم أو مصر الفرعونية أو أية حضارة قديمة أخرى ، للقول أن الوقف الاسلامي هو استمرار لأوقاف الأمم السابقة ـ تماشيا مع موضة الأصول اليونانية و الرومانية للحضارة الحديثة ـ علما أن " الوقف غير موجود في شريعة التوراة ولا في المسيحية (2) ، بل ان ما عرفته الأمم السابقة، لا علاقة له بالأوقاف في الاسلام، وأن الوقف عموما ،و المائي منه خاصة ،هو نظام حضاري إسلامي بامتياز ،ومرجعيته ترتبط بالكتاب و السنة والبيئة العامة التي كان يعيش فيها الانسان المسلم .
فالماء في الاسلام أصل الحياة، قال تعالى " وجعلنا من الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون "سورة الأنبياء آية30 ، وهو هبة من الله ووسيلة لتطهير المسلم ، و إعطاءه للآخر ـ إنسانا كان أو حيوان أو نبات ـ يعد صدقة جارية لذا كان حضوره في المجال الوقفي بارزا و قويا وذا أهمية خاصة .
و بالإضافة للمرجعية الدينية، فان البيئة الصحراوية العامة التي كان يعيش فيها المسلمون الأوائل ، ساهمت في ظهور الوقف المائي، في مجتمع من سماته التكافل الاجتماعي .
2 ـ1 : أهمية الماء في القرآن الكريم : :
ورد ذكر "الماء" في القرآن الكريم 63 مرة، وورد معناه في مواضيع شتى كالغيث ، المطر ، البحار و الأنهار ... ومن المواضيع الأساسية التي ارتبطت بذكر الماء في القرآن: الخلق ، الإحياء ، الطهارة و عذاب الكافرين ... ورغم أن الوقف لم يرد في نص صريح في القرآن الكريم إلا أن الفقهاء اعتبروه مشمولا في ما جاءت به الآيات التي تحث على البر والإحسان و الإنفاق في سبيل الله تعالى ومنها :
قال تعالى :" لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون " سورة آل عمران آية91 .
قال تعالى :"وما تنفقوا من شيء فإن الله به عليم "سورة آل عمران 92
قال تعالى :" وما تنفقوا من خير فإن الله به عليم " سورة البقرة آية272
قال تعالى : "يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم و مما أخرجنا لكم من الأرض" سورة البقرة آية 267.

ـــــــــــــــــــــــــ
(1) انظر كتب و مقالات منذر قحف في مجال الأوقاف خاصة الفصل الأول من الباب الأول من كتابه الوقف الاسلامي تطوره ادارته تنميته ص12ـ 25.
(2) الطاهر بن عاشور ،مجلة الهداية الاسلامية الجزء الرابع المجلد التاسع شوال 1355ص248
قال تعالى : " وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام "سورة الأنفال آية 11
قال تعالى :ّ "هو الذي أنزل من السماء ماء لكم منه شراب فيه تسيمون/ ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات. إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون" سورة النحل الآيتين 10/11.
قال تعالى : "وهو الذي أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات كل شيء فأخرجنا منه خضرا نخرج منه حبا متراكبا ومن النخل من طلعها قنوان دانية وجنات من أعناب و الزيتون والرمان مشتبها و غير متشابه انظروا الى ثمره اذا أثمر و ينعه ان في ذلكم لآيات لقوم يؤمنون " سورة الأنعام آية 99 .
2 ـ 2 :الوقف المائي في السنة النبوية :
وردت أحاديث كثيرة توافق النصوص القرآنية في الحث على بذل الخير و الترغيب في الإنفاق في سبيل الله والاعتناء بالماء و المحافظة عليه من التلوث و جعله ملكا للمسلمين جميعا .
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" إذا مات الانسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة : إلا من صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له " أخرجه مسلم (1).
و الصدقة الجارية في فقه الصدقة هي الوقف و تحبيس الأصل أما الصدقة غير الجارية أي العادية فهي التي لا يحبس فيها الأصل، بل تعطى للفقير ليتملكها وينتفع بها كما يشاء، كأن يعطى له مال، أو طعام، أو كسوة، أو دواء، أو فراش .
روى ابن ماجة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:( إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته علماً علمه ونشره و ولدا صالحا تركه ومصحفا ورثه أو مسجدا بناه أو بيتا لابن السبيل بناه أو نهراً أجراه أو صدقة أخرجها في حياته تلحقه بعد موته)(2)
عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (سبع يجري للعبد أجرهن وهو في قبره بعد موته: من عَلّم علماً، أو أجرى نهراً، أو حفر بئرا, أو غرس نخلا , أو بنى مسجدا , أو ورث مصحفا , أو ترك ولدا يستغفر له بعد موته )(3)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الإمام مسلم ، صحيح مسلم تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي ، بيروت دار الكتب العربية 1955 الجزء 3 حديث رقم 1631
(2) حسنه الألباني في صحيح ابن ماجه: 198.
(3) حسنه الألباني رحمه الله في صحيح الجامع برقم :3596
عن سعد بن عبادة رضي الله عنه قال يا رسول الله ان أم سعد ماتت فأي صدقة أفضل قال "الماء" فحفر بئرا وقال هذه لأم سعد (1).
عن عثمان بن عفان أن النبي صلى الله عليه وسلم قدم الى المدينة وليس بها ماء يستعذب غير بئر رومة فقال عليه الصلاة و السلام "من يشتري بئر رومة فيجعل منها دلوه مع دلاء المسلمين بخير له منها في الجنة " فاشتريتها من صلب مالي(2).
2 ـ 3 : أهمية الماء في البيئة الصحراوية الجافة :
يمتد العالم العربي الاسلامي على نطاق مناخي يغلب عليه طابع الحرارة و الجفاف ، شكل الماء في هذه البيئة الحارة عصب الحياة الاقتصادية و الاجتماعية ، فالفلاحة لا يمكن أن تقوم لها قائمة إلا بالسقي،بل ذهب أحمد التوفيق الى القول " ان الماء ظل نظرا لانعدام الرطوبة الكافية ولقلة التساقطات و سوء توزيعها بالنسبة للزراعة ذا أهمية قد تفوق أهمية الأرض نفسها ..."(3) ، الأمر الذي يفسر استقرار أغلب التجمعات السكانية في الحضارات القديمة على مصادر المياه ، من عيون و أنهار ...
عند نقص المياه وتعاقب الجفاف يشتد الصراع حوله(*) بين البشر ، ومن حكمة الاسلام
الهادفة الى خلق روح التآخي و التآزر بين المسلمين ، سن سنة حميدة في هذا الشأن ، وهي سنة الوقف ، فجعل الماء الموقوف في متناول الموقوف عليهم ، وغالبا ما تكون هذه الشريحة عريضة ، مثلا الوقف على استمرار جريان ماء سقاية أو على بيت وضوء في مسجد أو
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)سنن أبي داود، باب " في فضل سقي الماء" 2 / 130 برقم 1681
(2)الزيلعي، نصب الراية الأحاديث الهداية، دار المأمون، ط1،ج3 ص477. رواه أيضا النسائي والترمذي.
(3) التوفيق أحمد : المجتمع المغربي في القرن التاسع عشر : انولتان 1830 ـ 1912 منشورات كلية الآداب سلسلة رسائل وأطروحات رقم 1 جامعة محمد الخامس الرباط الطبعة الثانية 1983 ،ص209.
(*) نماذج الصراع القبلي حول الماء كثيرة جدا خلال القرن19 من تاريخ المغرب مثلا، و في هذا الاطار أحيل القارئ على ثلاث نماذج فقط موزعة مجاليا في مغرب القرن 19 بين الجنوب و الوسط و الشمال:
الأول من جنوب المغرب من خلال وثائق حول أزمة الماء بأسيف ن دادس أوردها محمد حمام في دراسته بمجلة أمل عدد24السنة الثامنة 2001 ص29.
والثاني من وسط المغرب بقبيلة انولتان أوردها أحمد التوفيق مرجع سابق ص 210.
والثالث من الشمال المغربي بقبيلة الأنجرة وثيقة أوردها المختار الهراس في كتابه القبيلة و السلطة تطور البنيات الاجتماعية في شمال المغرب ص225.

تزويد المدينة بالماء الصالح للشرب ... فتسابق المسلمون ، إناثا و ذكورا ،بكل مراتبهم الاجتماعية و السياسية في هذا المجال لنيل الثواب وتحقيق المصلحة العامة .
و في هذا الإطار نسوق نموذج السيدة زبيدة أم جعفر بنت جعفر بن المنصور(1) في توصيل المياه إلى مكة وتسخير كل إمكاناتها لتنفيذ هذا الهدف السامي لفائدة حجاج بيت الله الحرام ، القادمين من كل فج عميق من بلاد الاسلام .
لقد عرفت مكة بندرة مائها ،لذلك تسابق المسلمون و المسلمات إلى حفر الآبار وإجرائها لتسد حاجة من يفد إليها من الحجاج والمعتمرين، لكن سرعان ما تنضب هذه الآبار، وتعود الأزمة إلى الظهور من جديد، فيلقى الحجاج في سبيل ذلك معانات و شدة من جراء انقطاع الماء في بيئة صحراوية كبيئة أرض الحجاز صيفا .
فأولت السيدة زبيدة هذا الأمر عنايتها، فأمرت ببناء بركة بمكة تجلب إليها المياه من داخل حرمها، ولما كانت الحاجة إلى الماء أكبر من ذلك فقد اتجهت عزيمتها إلى تنفيذ مشروع ضخم يتلاءم مع مكانة الحرم المكي الشريف، فجمعت المهندسين و الخبراء في مجال شق القنوات وأمرت بإجراء المياه من أقصى وادي نعمان شرق مكة ، بالرغم من وجود العوائق الطبيعية.
لقد كانت همة السيدة زبيدة عظيمة لتحقيق هذا المشروع، حباً في عمل الخير وابتغاء مثوبة الله وهو ما يشير إليه نقش وجد قرب البركة يقول:
"بسم الله الرحمن الرحيم، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وصلى الله على محمد عبده ورسوله بركة من الله مما أمرت به أم جعفر بنت أبي الفضل جعفر بن أمير المؤمنين المنصور – رضي الله عن أمير المؤمنين – بإجراء هذه العيون سقاية لحجاج بيت الله وأهل حرمه، طلب ثواب الله وقربة إليه"(2).
ويذكر مؤرخوا مكة أن السيدة الجليلة أنفقت في سبيل ذلك من أموال كثيرة ، و لما تم عملها اجتمع المباشرون لهذا المشروع ومعهم العمال لدى السيدة، وهي بقصرها المطل على دجلة فأمرت بالدفاتر يلقى بها في دجلة، وقالت: "تركنا الحساب ليوم الحساب، فمن بقي عنده شيء
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) هي زبيدة بنت جعفر بن المنصور الهاشمية العباسية، أم جعفر تزوجت هارون الرشيد سنة165هـ، وبنت عمه، أم الأمين العباسي. اسمها أمة العزيز، وغلب عليها لقبها زبيدة وتنسب إليها عين زبيدة في مكة التي جلبت إليها الماء من أقصى وادي نعمان شرقي مكة، وأقامت له الأقنية حتى أبلغته مكة. توفيت في بغداد في جمادى الأول سنة 216 هجرية الموافق 831م عن الأعلام للزركلي ص42.
(2)أ بو عبد الله محمد بن إسحاق بن العباس المكي الفاكهي: أخبار مكة للفاكهي ج 3/155


من بقية المال فهو له، ومن بقي له عندنا شيء أعطيناه" وألبستهم الخلع الثمينة فخرجوا من عندها حامدين شاكرين، وبقي هذا الأثر العظيم على مر السنين شاهداً على حب المسلمين على فعل الخير والبذل في سبيله.(1)
إن اهتمام المسلمين و المسلمات ، رجالا و نساء، حكاما و شعوبا ، بتوفير المياه الصالحة للشرب ، وما يتطلبه ذلك من إنشاء للعمائر المائية والأحواض السواقي و القناطر والسبل والبرك وحفر الآبار؛ لهو في حد ذاته أثر حضاري راقي لم ترق إليه باقي الحضارات الأخرى بالمفهوم الاسلامي الى يومنا هذا .

















ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)فواز بن علي الدهاس، الوقف مكانته و أهميته الحضارية نص المشاركة في ندوة مكانة الوقف وأثره في الدعوة و التنمية .




3 ـ أهداف و أقسام الوقف المائي:
3 ـ 1 : أهداف الوقف المائي :
لقد وفر الإسلام عدة آليات لإخراج الإنسان من الظلمات الى النور ، بواسطتها تتحقق مصالح العباد في الدنيا و الآخرة : منها ما هو روحي في علاقة الإنسان المسلم بربه من أجل تحقيق رضى الله ، ومنها ما هو مادي لا ينفصل عن الأول لأن المادة في هذه الحالة ليست سوى وسيلة لبلوغ الهدف المتمثل في رضى الله تعالى.
لا شك أن الوقف, هو أيضا وسيلة لتحقيق مصالح في الدنيا والآخرة ،أي لصالح الحي والميت ، يتعدى نفعه وأثره الايجابي صاحبه ، ليعم فئة هي في أمس الحاجة لهذا العين الموقوف من صاحبه أي الواقف، بخدمة الصالح العام من خلال أوقاف على المؤسسات العامة التي تقدم خدمات متنوعة كالمساجد ، الزوايا ، الربط ، المعاهد ، المارستانات ، ملاجئ الأيتام ، الآبار، السواقي ، السقايات ، الخطارات والحمامات...
ان تحقيق النفع والمصلحة الخاصة والعامة هدف مشروع وغاية شريفة ، يرتبط بإصلاح أحوال الناس والمجتمع وتدعو إليه الشريعة الإسلامية وكل الشرائع السماوية وتحض عليه مبادئها ، ومن الثابت أن نفع الناس يرتبط الى حد كبير بحاجاتهم وظروف ومقتضيات عيشهم ومتطلبات أسلوب حياتهم ، كما حددها الحديث الشريف التالي:
روى ابن ماجه من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله :( إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته علماً علمه ونشره، وولداً صالحاً تركه، ومصحفاً ورثه أو مسجداً بناه، أو بيتاً لابن السبيل بناه، أو نهراً أجراه، أو صدقةً أخرجها من ماله في صحته وحياته تلحقه من بعد موته) حسنه الألباني في صحيح ابن ماجه: 198.
روى البزار في مسنده من حديث أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (سبع يجري للعبد أجرهن وهو في قبره بعد موته: من عَلّم علماً، أو أجرى نهراً، أو حفر بئراً، أو غرس نخلاً، أو بنى مسجداً، أو ورّث مصحفاً، أو ترك ولداً يستغفر له بعد موته) حسّنه الألباني في صحيح الجامع:3596.
وفي معنى الحديثين نظم جلال السيوطي نظما جاء فيه :
إذا مات ابن آدم ليس يجري *** عليه من فعــــــــال غير عشرِ
علومٌ بثها، ودعــاء نَجْلِ *** وغرس النخل، والصدقات تجــــري
وراثةٌ مصـحفٍ، ورباط ثغر *** وحفر البئر، أو إجراءُ نـــــــهرِ
وبيتٌ للغريـب بناه يــأوي *** إليه، أو بناءُ محلِ ذكــــــــــر ِ


فهي سبع أمور على الإنسان المسلم أن يكون سباقا لإنجازها باعتبارها صدقة جارية ( وقف) يفعلها في حياته ، و لحياة أفضل في المجتمع ، يبتغي بها الخير و الثواب من الله سبحانه وتعالى :
1 ـ العلم النافع .
2 ـ التربية الصالحة للأجيال اللاحقة .
3 ـ نشر كتاب الله وتوريثه .
4 ـ بناء مسجد يذكر فيه اسم الله .
5 ـ التشجير و غرس النخل وخلق المجالات الخضراء .
6 ـ إجراءُ الأنهار، والمراد مد قنوات الماء الصالح للشرب الى أماكن التجمعات البشرية ، شق جداول الماء و الترع من العيون والأنهار لكي تصل المياه إلى الناس والمزارع و الحقول، ويسقى الزرع ، وتشرب الماشية، وإنه لعمل جليل وتصرف نبيل بتيسير حصول الماء الذي هو عصب الحياة، بل أهم مقوماتها.
7 ـ حفر الآبار، وهو نظير ما سبق، وقد جاء في السنة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (بينما رجل في طريق فاشتد عليه العطش، فوجد بئراً فنزل فيها فشرب، ثم خرج، فإذا كلب يلهث يأكل الثرى من العطش، فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان بلغ مني، فنزل البئر فملأ خفه ماء فسقى الكلب، فشكر الله له فغفر له)، قالوا: يا رسول الله وإن لنا في البهائم أجراً؟ فقال: (في كل ذات كبدٍ رطبة ٍ أجرٌ ) متفق عليه.
فكيف إذاً بمن حفر البئر وتسبب في وجودها حتى ارتوى منها خلقٌ كثير ، وانتفع بها عدد كبير من عابري السبيل .
و انطلاقا من مضمون هذه الأحاديث تمكننا من أن نسطر جملة من الأهداف العامة ، التي سعت الشريعة الإسلامية على تحقيقها في المجتمع الإسلامي ، وأخرى خاصة مرتبطة بالفرد كمرحلة أولى باعتباره جزء من الكل ـ المجتمع ـ فإصلاح الكل ينطلق أساسا من الأجزاء من منظور بنيوي حديث .







3 ـ 1 ـ 1 :الأهداف العامة للوقف المائي :
يعمل نظام الوقف في المجتمع الإسلامي على تحقيق مجموعة من الأهداف منها :
ـ ترسيخ مفهوم التعاون على البر و الإحسان بين كل شرائح المجتمع وذلك بخدمة الصالح العام من خلال الأوقاف على المؤسسات العامة و الآبار و السقايات و الحمامات ...
ـ توفير موارد مائية دائمة و مستمرة لتحقيق غرض مباح ـ الشرب الوضوء ...ـ يسد نقصا أو عجزا لصالح جهة ما ، في مجال مصلحة شرعية معينة.
ـ تقليص الفوارق الطبقية(*) في المجتمع بتكامل مع نظم أخرى في الشريعة مثل الزكاة والأعشار و الإرث .
3 ـ 1 ـ 2 : الأهداف الخاصة للوقف المائي:
ـ امتثال الواقف لأمر الله تعالى وأمر رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم بالأنفاق والتصدق في وجوه البر والحث عليه انطلاقا من قوله تعالى : " لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون " سورة آل عمران 92 وللإشارة هنا فإن الماء في بيئة صحراوية جافة عملة ناذرة، وأعز ما يطلب، لذا اتجهت اهتمامات المسلمين منذ السنوات الأولى للهجرة إلى وقف الماء و لا يسعى الواقف من وراء وقفه لتحقيق أغراض أو مرامي شخصية ما عدا :
ـ رغبته في الحصول على الأجر والثواب و الإنتفاع من وقفه حيا وميتا .
ـ ضمان استمرار الوقف و دوام الإنتفاع به والإستفادة منه مدة طويلة .
ـ صلة الأرحام عبر استمرار النفع العائد على الموقوف عليهم و استمرار الأجر والثواب للواقف.
و بذلك فان الأهداف الخاصة للوقف لم تكن ذات طابع شخصي مادي منفعي ، بل كانت تأتي في إطار منظومة اجتماعية و ثقافية سائدة ، مبنية على التآزر و التراحم و التآخي ، في مجتمع كان الدين يؤاخي بين معتنقيه ، ويجعل أفراده كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا .

ـــــــــــــــــــــــــــــ
(*) تجدر الاشارة هنا أن بعض الأحداث كثورة الزنج في العراق خلال العهد العباسي ساهمت في تزايد الأوقاف و المؤسسات الخيرية بكل أصنافها لتخفيف الحقد الطبقي و التقليل من معاناة هذه الفئة .





3 ـ 2 : أقسام الوقف المائي في الاسلام :
نحت كل الدراسات التي عالجت موضوع الأوقاف في تاريخ الأمة الإسلامية نحو تقسيم الوقف من خلال أنماطه وتطبيقاته الى قسمين : وقف خيري و وقف أهلي .
3 ـ 2 ـ 1 :الوقف الخيري في مجال الماء: ويعرف أيضا بالوقف المؤبد(1) والوقف المطلق(2) والوقف العام(3) ويقصد به الواقف التصدق على وجوه البر "يستهدف تحقيق مصلحة عامة كالوقف على المساجد ودور العلم وعلى العلماء والفقراء والمستشفيات...ان الوقف الخيري هو ما جعل ابتداء على جهة من جهات البر، ولو لمدة معينة يكون بعدها على شخص أو أشخاص معينين ، فإذا وقف إنسان داره لينفق غلتها على المحتاجين من أهل بلده كان الوقف خيريا ."(3)أو اذا وقف الانسان داره لينفق غلتها على ترميم قادوس سقاية ودوام جريانها كان وقفه خيريا ، فالوقف الخيري اذا هو وقف ينعكس نفعه على المجتمع ويصرف ريعه على أشخاص معنين من المحتاجين لهذا الوقف.
والماء في هذا النوع من الأوقاف كان الأكثر حضورا لأهميته في السير العادي للحياة العامة في كل المرافق الاجتماعية: الشرب الوضوء النظافة... فأغلب مياه مساجد و حمامات مدن المغرب عبر العصور كانت في ملك الأحباس ، كما يبين ذلك ظهير8 يناير 1936(4)

ـــــــــــــــــــــــــــ
(1) محمد الكبيسي ، أحكام الوقف في الشريعة الاسلامية بغداد 1397هـ ص232
(2) نفس المرجع السابق .
(3) ابراهيم محمد المزيني ، الوقف وأثره في تشييد بنية الحضارة الاسلامية ، مساهمة الكاتب في "ندوة المكتبات الوقفية في المملكة العربية السعودية " المنعقدة في رحاب مكتبة الملك عبد العزيز بالمدينة المنورة 25ـ27 محرم1420هـ .
(4) " يعلم من كتابنا هذا أسماه الله وأعز أمره أنه نظرا إلى أن الأحباس امتازت منذ زمن قديم ببناء الحمامات الأهلية بمدن الايالة الشريفة ـ ونظرا إلى المصلحــة العظيمة التي تعود على عموم المسلمين بإبقاء ما كان على ما كان طبقا لعوائد السلف ـ أصدرنا أمرنا الشريف بما يأتي: تبقى الأحباس على امتيازها في بناء الحمامات الأهلية بالمدن ...
وحرر بالرباط في 13 شوال عام 1354 الموافق 8 يناير 1936.
قد سجل هذا الظهير الشريف في الوزارة الكبرى بتاريخ 16 شوال عامه الموافق 11 يناير سنته.
محمد المقري اطلع عليه واذن بنشره الرباط في 5 يناير 1936
المعتمد بالإقامة العامة: هيلو " الجريدة الرسمية ( المغرب ) عدد1216 ، 14 فبراير 1936.



إن أغلب الأوقاف الخيرية في مجال المؤسسات العامة كالمساجد ، المعاهد ، المدارس ، المارستانات ،دور الأيتام ودور العجزة ...(1)كان الواقف يستحضر مسألة تزويد وقفه بالماء كمرحلة أولى لإقرار الوقف خاصة إذا علمنا أهمية الماء في البيئة العربية الإسلامية وفي الدين الإسلامي .
3 ـ 2 ـ 2 :الوقف الأهلي في مجال الماء : يعرف أيضا بالوقف الذري (2)أو الوقف المؤقت (3) أو الوقف الخاص (4) وهو نوع يهدف لتحقيق مصلحة خاصة لفائدة الذرية ، الأقارب ، الأولاد أو البعض منهم ...وهذا النوع من الوقف يقل ارتباطه بأوقاف المياه إلا أن حالات ناذرة ترتبط بأوقاف ماء السقي المرتبط بدوره بالأراضي الزراعية الموقوفة أو ما يعرف "بملكية الساقية " (5)، حيث يحبس أحد الملاك ماء عين يملكها أو بعض خروبات(6) المياه لفائدة أفراد يستغلونها مدى حياتهم و عند انقراضهم تحول ملكيتها لأحباس مسجد الجماعة
هذا النوع من الوقف أبطله بعض الفقهاء بحجة أنه "من أعظم المنكرات وأكبر الكبائر لأنه تغيير لشرع الله في أنصبة المواريث(7) كما أن بعض الدول ألغته. (8)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) محمد الكبيسي، مرجع سابق
(2) نفس المرجع السابق .
(3) ابراهيم محمد المزيني ، مرجع سابق
(4) ناصر بن سعد الرشيد ، تسخير البحث العلمي في خدمة الأوقاف وتطويرها ، مساهمة في ندوة اهمية الوقف في التعليم وخدمة البحث العلمي
(5) مسألة الأرض والماء بفاصك ، بحث لنيل الإجازة في الجغرافيا السنة الجامعية 2006 – 2005.. ، كلية الآداب والعلوم الإنسانية.أكادير، المغرب.
(6) مصطفى الدحمان فكيك ومشاكل التنمية الاقتصادية ، بحث لنيل الجازة في الجغرافية جامعة محمد بن عبد الله فاس ص39 : الخروبة هي اناء من النحاس مثقوب في الوسط يوضع في اناء مملوء بالماء و يمتلئ في مدة تستغرق 45 دقيقة تعرف هذه الوحدة لقياس الماء بتاخروبت( كلمة أمازيغية) و يقوم بهذه العملية فلاح يعرف بأسريفي و تنتشر هذه الطريقة لقياس المياه بالواحات المغربية و الجزائرية .
(7) ناصربن سعيد الرشيد مرجع سابق عن محمد بن عبد الوهاب في رسالته الواردة في روضة الأفهام لإبن غنام الجزء 1 الصفحة 160.
(8) الغي الوقف الذري بتركيا، سوريا ثم ليبيا وعملت تونس على حل جميع الأوقاف ودمجها في ميزانية الدولة .



4 ـ ملكية الماء في الاسلام :
لقد تداول الفقهاء المسلمون في إشكالية تحديد طبيعة المياه هل هي من العقارات أم من المنقولات : فالحنفية و الشافعية و الحنابلة اعتبروا العقار هو مالا يمكن نقله من مكان أبدا و بناء عليه فان المياه اذا لم يمكن نقلها من مكان الى آخر فهي من نوع العقارات .
و اعتبرت المالكية العقار هو كل ما يمكن نقله من مكانه أو لا يمكن نقله من مكانه إلا بتغيير هيأته و عليه وحسب هذا التعريف الفقهي يمكن اعتبار الأنهار و الوديان عقارات لأنه لا يمكن نقلها من مكانها و حتى إذا حاولت جهة ما تحويل اتجاه النهر أو الوادي من مكان الى آخر فان النهر أو الوادي سيبقيان مع ذلك من العقارات .
و مادامت الأرض هي أصل كل هذه العقارات لكونها تشمل ما فوقها وما تحتها ، فالماء بطبيعة الحال يعتبر عقارا ، سواء كان جاريا في شكل أنهار أو عيون أو سيول ... أو غير جار في شكل مياه متجمعة في باطن الأرض أو في بحيرة ... وبذلك يجوز للإنسان الانتفاع بها بجميع أوجه الانتفاع : كالصيد و التنقل و الأخذ من ذلك الماء ، انطلاقا من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم :" الناس شركاء في ثلاث الماء والكلأ والنار".
و انطلاقا من هذا الحديث الشريف يتبين لنا أنه لا تجوز ملكية الأنهار الكبرى، خاصة من قبل أشخاص معينين، كما لا تجوز ملكية القنوات التي تنشأ من مال عام، لأن الماء مشترك بين الناس يتقاسمون الانتفاع به.(1) أما بالنسبة للآبار التي تنشأ بمال الشخص وجهده فهي تكون في ملكيته الخاصة لأنه بدل فيها جهده وماله ليستخرجها. وكذلك بالنسبة للعيون التي يتم حفرها من طرف شخص أو مجموعة من الأشخاص، ومع ذلك يقيد الإسلام ملكيتها مراعاة لمصالح الناس، و لا يسمح بقبض عوض عن شربهم وشرب دوابهم.(2) ولعل أبرز دليل على مراعاة الناس وحاجياتهم، ما روي أن قوما أرادوا ماء فسألوا أهل البلد أن يدلوهم على البئر فأبوا وسألوهم أن يعطوهم دلوا فأبوا فقالوا لهم أن أعناقنا، وأعناق مطايانا تكاد أن تتقطع من العطش، ومع ذلك أبوا. فذكروا ذلك للخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال لهم :" هلا وضعتم فيهم السلاح"(3) من هنا يتضح لنا أنه يجوز استعمال القوة في حق من منع الماء
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) محمد بونبات. حقوق الماء في المغرب. ص 13.
(2) ذ. محمد لمراني علوي. قضايا الماء في بلاد المغرب الأقصى من خلال كتب النوزال الفقهية. الماء في تاريخ المغرب ص49.
(3) محمد بونبات. حقوق الماء في المغرب. ص14.


للانتفاع به. ولمثل هذه الأسباب وغيرها نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن منع فضل الماء أو بيعه. وفضل الماء هو ما يفضل عن حاجة الإنسان، وحاجة بهيمته من الشرب، أو حاجة أرضه وشجره من السقي.
نستخلص مما سبق أن ملكية المياه الطبيعية كالأنهار، والبحار، والعيون، وحتى مياه الأمطار ملكية جماعية مشتركة بين كل الناس ، وجعلها الإسلام من المشتركات العامة التي لا يجوز الاختصاص بها لفرد معين. وهذا لا ينفي ما قلناه في السابق في كون المياه التي تستخرج بالقوة والجهد والمال تكون مملوكة لمن بدل فيها ذلك. كما أن هناك حالة استثناء للاختصاص بالماء وهي عند حيازة الإنسان للماء وتحريزه ،وجعله في جرة أو وعاء. فهذا من حقه منعه عن الآخرين، وهو كطعامه إلا أن يضطر إليه غيره. كما رخص العلماء في بيعه لما تكلف مستقيه وحامله.
إذن فالشريعة الإسلامية جعلت الماء الذي هو أصل الحياة والذي لا يمكن لأحد العيش بدونه في ملكية الجميع. كما رخصت لاستعمال القوة في حق كل من غصب الناس هذه النعمة وتعسف في منحهم إياها كما أباحت الانتفاع بالماء في حالات محددة .
4 ـ 1:حقوق الماء في الفقه الإسلامي :
قسم الفقه الإسلامي حقوق الماء إلى عدة أنواع ،انطلاقا من آيات كثيرة في القرآن الكريم كقوله تعالى:"ونبئهم أن الماء قسمة بينهم كل شرب محتضر" سورة القمر آية 28.
اجتهد فقهاء الاسلام في تقسيمها الى حقوق هي :حق الشرب وحق المجرى وحق المسيل.
4 ـ 1 ـ1:حق الشرب :
تنقسم المياه من حيث حق الشرب كذلك إلى ثلاثة أقسام: الشرب العام، والشرب الخاص، والماء المحرز.
4ـ1ـ1ـ1:الشرب العام : يشمل مياه الأنهار والترع العمومية بحيث تكون الاستفادة منه للجميع لكل واحد من الناس أن ينتفع به كيفما شاء ، أن يسقي أرضه و دوابه و غير ذلك من أوجه الانتفاع .
4ـ1ـ1ـ2: الشرب الخاص : فهو يرتبط بحالة الأنهار الصغيرة المملوكة لأشخاص معينين، فحكمه الإباحة للغير بتناول الماء منه شرط عدم الإضرار بما بناه هؤلاء كتخريب الجسور أو القنوات المشيدة ذلك لأن الماء باقي على أصل الإباحة و لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع فضل الماء " لا يمنع فضل الماء ليمنع به الكلأ" (1).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أخرجه أحمد 3/338و مسلم 5/34و ابن ماجة 2477 و البخاري 2226

4ـ1ـ1ـ3: الماء المحرز : هو الذي يجعله صاحبه في مكان حصين كالأواني و الأنابيب فهو ملك خاص لصاحبه الذي بذل مجهودا ماديا أو معنويا لتحريزه سواء كان الحرز شخصا أو شركة ومن حق الغير أخذه للشرب دفعا لضرر قد يلحقه.
4ـ1 ـ2 :حق المجرى :
المجرى هو ما يعرف بالأنهار" الآدمية" التي احتفرها الناس و أصبحت ملكا مشتركا بينهم، لا يختص أحدهم بملكه. كما لا يجوز لأي كان منهم أو غيرهم ممن لم يساهموا في حفره، إقامة ممر عليه أو رفع مائه أو بناء ساقية عليه إلا بموافقة و رضى جميع أهله(1) كما أن الشخص صاحب الأرض البعيدة له الحق في أن تمر المياه اللازمة لري أرضه على أرض غيره. وليس على صاحب الأرض منعه، ويعزز هذا قول عمر رضي الله عنه " لو لم أجد للماء مسيلا إلا على بطنك لجريته"(2).أما في حالة اشتراك مجموعة من أصحاب الأراضي في المجرى، فالقاعدة أنه لا يجوز لأي شخص التفرد في ملكيته. أو القيام بأي عمل من شأنه أن يؤثر على الجريان الطبيعي للماء.
4ـ1 ـ 3:حق المسيل :
المسيل هو غير المجرى والفرق بينهما أن المجرى يستخدم لجلب الماء النافع للأرض، في حين أن المسيل هو لتصريف الماء غير الصالح لها. وهنا يكون من حق الشخص في صرف مياه أرضه في مصرف مملوك لجاره، أو أن يمرر هذه المياه في أرض جاره لتصل إلى المصارف العامة.
إن الحكمة من إعطاء الماء هذه المكانة المتميزة في الشريعة الإسلامية ذات أبعاد متعددة، منها أحياء الأراضي، وإسعاف الفلاحين المحتاجين إلى الماء. وتأسيس مجتمع مبني على قيم التكافل والتعاون دون احتكار هذه المادة الحيوية من أحد.




ـــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)ذ. محمد لمراني علوي. قضايا الماء في بلاد المغرب الأقصى من خلال كتب النوازل الفقهية. الماء في تاريخ المغرب ص.51.
(2) محمد بونبات. حقوق الماء في المغرب ص17.



4ـ 2ـ ملكية الماء في الفقه الاسلامي من خلال ثلاث أطروحات :
تضاربت تفسيرات الفقهاء في مجال طبيعة ملكية الماء بخصوص مدى امكانية أو عدم امكانية امتلاك تلك المياه ملكية خاصة فبرزت في الساحة الفقهية ثلاث أطروحات :
4ـ 2ـ 1: الأطروحة الأولى : تنبني على تفسير بعض الأحاديث النبوية الشريفة التي تفيد منع التصرف في الماء :
عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" لا يمنع الماء والنار والكلأ" رواه ابن ماجه.(1)
وعن أبي خراش عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم" : المسلمون شركاء في ثلاثة : في الماء والكلإ والنار" رواه أحمد وأبو داود , ورواه ابن ماجه من حديث ابن عباس , وزاد فيه و"ثمنه حرام"(2)
عن عائشة عند ابن ماجه أنها قالت يا رسول الله ما الشيء الذي لا يحل منعه ؟ قال : "الملح والماء والنار"(3)
و يستدل أصحاب هذا الطرح بأحاديث من هذا القبيل على أن الناس شركة في جميع أنواع الماء من غير فرق بين المحرز وغيره .
4ـ2 ـ 2:الأطروحة الثانية : تنبني على نهي بيع فضل الماء انطلاقا من تفسير مجموعة من الأحاديث التي تفيد النهي عن بيع الماء الزائد عن الحاجة :
عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "لا يمنع فضل الماء ليمنع به الكلأ"(4)" لا تمنعوا فضل الماء لتمنعوا به فضل الكلأ "(5)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سنن ابن ماجة كتاب الأحكام حديث رقم 2473.
(2) نفس المرجع حديث رقم 2472.
(3) نفس المرجع حديث رقم 2474.
(4) صحيح البخاري كتاب الشرب حديث رقم 2226.
(5) نفس المرجع حديث رقم 2227.






و في رواية لمسلم عن أبي هريرة ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " لا يباع فضل الماء ليباع به الكلأ "(1)
ولابن حبان" لا تمنعوا الماء ولا تمنعوا الكلأ فينزل المال وتجوع العيال"
و انطلاقا من هذه الأحاديث فان أصحاب هذه الأطروحة يقرون بأحقية الشخص أو الجماعة أو الشركة في ملكية الماء غير أن استعمال هذه المياه تبقى في حدود الحاجة ، ويترك ما زاد عن تلك الحاجة للمحتاج لأنه لا يمنع ولا يباع فضل الماء .
4ـ2 ـ 3: الأطروحة الثالثة : انطلقت من أن الأطروحتين السابقتين معارضتين للأصول، على أساس أن الإسلام يقر الملكية الشخصية بشكل نزيه، ويحترم أموال الناس كما يحترم أعراضهم ودماءهم، ولا يسمح لأحد ولا لجهة بالتصرف فيها إلا عن تراض حاصل بين الطرفين، أو عن طيب نفس من المالك، وذلك لما في تقرير هذه الملكية من منافع يتوقف عليها تقدم المجتمع ورقيّه، إضافة إلى ما فيه من احترام للإنسان واحترام لما يرتبط به، فالمسلم لا يحل له أخذ مال مسلم إلا عن طيب خاطر لقول النبي صلى الله عليه وسلم : "لا يحل مال امرئ مسلم إلاّ عن طيب نفس منه" (متفق عليه ) و بذلك أقر أصحاب هذا الطرح، وهم أتباع الفقه المالكي ، قاعدة تملك الماء ملكية خاصة و التصرف فيها بجميع التصرفات القانونية كما أقروا أن قاعدة انتقالها بسبب الموت و الوصية وعن طريق الإرث .
ففي واحة فكيك بالمغرب مثلا نجد أن العائلات و القبائل التي استقرت بالمنطقة منذ أزمنة بعيدة و قامت بحفر السواقي و الآبار و الخطارات هي التي تملك مياه عيون الواحة و تملك أحقية استغلالها (2)الى الآن رغم التحولات التي حصلت في بنية المجتمع .





ــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)صحيح مسلم كتاب المساقات حديث رقم 1566.
(2)مصطفى الدحمان مرجع سابق ص38.





4 ـ 3: الماء عين الوقف أو شرعية وقف الماء :
من الصعب أن نجد عنصرًا فوق سطح الأرض يفوق في أهميته وضرورته البيولوجية عنصر المياه؛ إذ بدونه تنعدم الحياة، وبوجوده تنمو وتزدهر، فالماء يشكل 90 % من وزن بعض الكائنات الحية، يشكل أكثر من 60 % من وزن جسم الانسان ، ولذلك فإن الإنسان لا يستطيع العيش بصحة جيدة من دون ماء أكثر من يوم واحد(1)، فهذه المادة العجيبة في الكون ، من أعظم العناصر وأجلّها، وبرزت أهمية عنصر الماء عند المسلمين انطلاقا مما أكده الله تعالى في آياته الكريمة عن أهمية هذا العنصر الذي يمثل أصل الحياة لقوله تعالى: "وَجَعَلْنَا مِنْ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ "(2) ، كما أبرز الله تعالى أهمية الماء في عمارة الأرض بقوله تعالى: "وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كذلك الخروج " (3)وقوله تعالى: "و ما أَنزَلَ اللَّهُ مِنْ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا "(4) ، والماء عصب الحياة، وعامل أساسي لنشوء الحضارات و الحواضر القديمة ، كما أنه عامل من عوامل انتهائها في حالة ندرته وانعدامه.
يعد ثاني العناصر الضرورية للإنسان في حياته بعد الأكسجين الذي يستنشقه من الهواء، ويمثل نسبةً كبيرةً في تكوين البدن الإنساني، كما يدخل في طعامه الذي يتغذَّى به والهواء الذي يتنفسه، بل والدواء الذي يتطبَّب به؛ لذا فهو أكثر العناصر الطبيعية انتشارًا فوق سطح الأرض، ولهذا العنصر أثره الواضح على أنماط الحياة النباتية والحيوانية والبشرية .
وأمام أهمية الماء في الحياة على الأرض ،شرع الاسلام الوقف المائي وجعله وسيلة يتقرب به المسلم إلى ربه، ففي الحديث الشريف أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته، بعد موته، علماً نشره، وولداً صالحاً تركه، ومصحفاً ورّثه، ومسجداً بناه، أو بيتاً لابن السبيل بناه أو نهراً أجراه، أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته، تلحقه من بعد موته "رواه ابن ماجه وحسنه الألباني.
سبّل عثمان بن عفان رضي الله عنه بئر رومه لوجه الله تعالى. وأوقف علي بن أبي طالب رضي الله عنه عيوناً من الماء في ينبع. كما أوقف ضيعتين تسمى إحداهما عين أبي نيزر،
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)عبد الدائم الكحيل دورة الماء بين العلم والإيمان www.kaheel7.com (الدماغ البشري يحوي 70 % من وزنه ماءً، الرئتان تحويان نسبة 90 بالمئة ماء، ونسبة الماء في الدم 83 %)
(2)سورة الأنبياء: من الآية30
(3)سورة ق: من الآية 11.
(4)سورة البقرة: من الآية 163

والثانية تسمى البغيبة، وجاء في وقفها:" بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما تصدق به عبد الله علي أمير المؤمنين، تصدق بالضيعتين المعروفتين بعين أبي نيرز، والبغيبة، على فقراء المدينة وابن السبيل ليقي الله بهما وجهه حر النار يوم القيامة، لا تباعا ولا تورثا، حتى يرث الله الأرض وهو خير الوارثين، إلا أن يحتاج إليهما الحسن أو الحسين فهما طلق لهما وليس لأحد غيرهما..."
وروى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كان أبو طلحة أكثر أنصاري بالمدينة نخلاً. وكان أحب أمواله إليه بيرحاً، وكانت مستقبلة المسجد، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يدخلها ليشرب من ماء فيها طيب، فلما نزلت هذه الآية قال أبو طلحة: يا رسول الله إن الله يقول تعالى :" لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ "(1) ، وإن أحب أموالي إليّ بيرحاء، وإنها صدقة لله أرجو برّها وذخرها عند الله، فضعها يا رسول الله حيث أراك الله، فقال رسول الله: صلى الله عليه و سلم " بخ ذلك مالٌ رابح، ذلك مالٌ رابح، وقد سمعت ما قلت، وإني أرى أن تجعلها في الأقربين "، فقال أبو طلحة: "أفعل ذلك يا رسول الله"، فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه.
والوقف المائي انطلاقا من إجماع الصحابة الكرام رضي الله عنهم هو صدقة جارية يقفها المرء ويسبّلها في حياته لوجوه الخير والبر، فيستمر أجرها مادامت باقية. وفي هذا عظيم المنفعة للواقف بإجراء حسنات له في حياته وبعد مماته، لما في ذلك من فضائل الوقف النافعة التي تعم كافة المسلمين .
ويجوز وقف كل ما جاز بيعه وجاز الانتفاع به من الماء مع بقاء عينه، سواء كان ثابتاً كالعيون والأنهار الصغرى و الآبار والخطارات و السواقي ... أو منقولا كالسقايات والقرب و البرادات ... ً
تزخر كتب النوازل الفقهية بقضايا و نوازل عرفها المجتمع الاسلامي من شرقه الى غربه بنماذج لأوقاف المياه، شكلت قضايا فقهية جديدة موضوع بحث واجتهاد لم يعرف المجتمع الاسلامي مثيلا لها ، فاحتاجت للكثير من الاجتهاد و القياس لإصدار فتاوى شرعية في شأنها ،الى درجة أن أصبحت كتب النوازل، تشكل مراجع مهمة لكتابة التاريخ الاجتماعي للغرب

ـــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة آل عمران آية91



الاسلامي، مثلا نجد نوازل ابن الحاج (2)وأحكام ابن زكون(3)ونوازل البرزلي(4) ثم نوازل الونشريسي(5)...أصبحت تشكل مصادر ومراجع أساسية لمعظم الأطروحات الجامعية التي تتناول بالدرس و التحليل التاريخ الاجتماعي و الاقتصادي ، و مسائل الماء تحظى بنصيب مهم من اهتمام هؤلاء الفقهاء، لكونها كانت حاضرة بقوة في المجتمع المغربي عبر العصور سواء في الحواضر أو البوادي .
4 ـ 4 : الوقف المائي في الفقه الاسلامي :
إن المتتبع لمختلف النصوص التي عالجت مسألة الوقف في الاسلام يسجل ما يلي :
ـ عدم ورود نصوص الوقف صراحة في القرآن .
ـ قلة النصوص التي تحيل على الوقف المائي في السنة النبوية الشريفة ، مقارنة بقضايا أخرى .
ـ تناول الأحاديث و السنة أصل فكرة الوقف .
ـ عدم التطرق لتفاصيل أحكام الوقف المائي .
كانت هذه النقط الأربع اساس اشتغال فقه الوقف في المجتمعات الاسلامية ، فاتفقت المذاهب الفقهية الكبرى على أن الوقف غرضه الأساسي هو البر و الصدقة و اختلفت في تفاصيل كثيرة ، وهذا الاختلاف هو أساس تطور الفقه الاسلامي عامة و فقه الوقف خاصة ، وفق حاجيات المجتمعات و تحول ظروفها المعيشية الاقتصادية و الاجتماعية و البيئة المحيطة ،


ــــــــــــــــــــــــــــ
(2) ابن الحاج (529هـ/1134م)عرف بعلو كعبه في ميدان الفقه والقضاء والإفتاء ، تميزت فتاويه بالتنوع فتناولت قضايا خاصة بالملكية العقارية ووضعية البساتين ومسائل المياه...
(3) ابن زكون:أبو علي حسن بن زكون (إبراهيم بن عبد الله بن أبي سهل(تـ553هـ/1159م-1160م)وعنوانُ أحكامِهِ: اعتماد الحكام في مسائل الأحكام وتبيين شرائع الإسلام من حلال وحرام"(نوازل ابن زكون)
(4) أبو القاسم محمد بن أحمد البلوي القيرواني البرزلي (توفي بتونس عام (841هـ/1439م) نوازل البرزلي في أربعة أجزاء ضخمة حاول أن يضمنها علوم عصره على الطريقة الخلدونية .
(5) أحمد بن يحيى الونشريسي صاحب الموسوعة الكبيرة التي جمعت فتاوى إفريقية والأندلس والمغرب (المعيار المعرب : والجامع المغرب عن فتاوي علماء افريقية والأندلس والمغرب).


وقد حظي قطاع الماء في الحياة العامة و في مجال الأحباس باهتمام الفقهاء و المحدثين في كتاباتهم ونوازلهم و فتاويهم من حيث الملكية و التصرف و الوقف ...
5 ـ المراحل الكبرى لتطور فقه الوقف :
سجل تاريخ فقه الوقف تطورا بارزا يمكن حصرها في أربعة مراحل كبرى بناء على طبيعة القضايا الوقفية التي عالجتها كل مرحلة على حدة في إطار مد و جزر عرفه تاريخ الفقه الاسلامي .
5 ـ 1:المرحلة الأولى :
امتدت على طول القرون الثلاثة الأولى بعد الهجرة النبوية و هي مرحلة شملت فقه التابعين و فقه أئمة المذاهب الأربعة ـ المالكية ، الشافعية ، الحنفية و الحنبلية ـ انصبت نقاشاتها الفقهية حول ثوابت فقه الوقف كالمشروعية و الشروط اللازم توفرها في الواقف و الموقوف و أنواع الوقف و مآله (1).
5 ـ 2 : المرحلة الثانية :
امتدت من القرن الرابع الى القرن التاسع الهجري برز خلالها عدد كبير من فقهاء العصر كابن قدامة ، الماوردي ، ابن همام و ابن الحاج ... فبالإضافة الى المواضيع الفقهية السابقة فان اغلب هؤلاء الفقهاء صاغوا تعاريف فقهية للوقف وفق شروط المذهب الذي ينتمي اليه و
الجديد خلال هذه المرحلة ، بالإضافة للتعريفات ، مسألة تدبير الوقف وواجبات الناظر و القاضي في هذا المجال ،و كذا مسألة توقيته و مصيره .
5 ـ 3 : المرحلة الثالثة :
امتدت من القرن التاسع الى القرن الثالث عشر الهجري ، برز خلالها المرداوي ، البرزلي ، الونشريسي و المجاصي ...تميزت هذه المرحلة بتوالي النكبات على المسلمين : سقوط بغداد في يد المغول ، سقوط الأندلس في يد المسيحيين ، إحراق ونهب المكتبات و قتل العلماء و الفقهاء ...وانعكس هذا الوضع السياسي و الأمني سلبا على الفقه الاسلامي .



ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) منذر قحف الوقف الاسلامي :تطوره إدارته تنميته ، الفصل السابع ، التطور التاريخي لفقه الوقف ص 104.
خلال القرن العشر الهجري بسط الأتراك نفوذهم على أجزاء واسعة من العالم الإسلامي فتدنت الكتابات العربية و زوحم المذهب المالكي بالحنفي ـ المذهب الرسمي للحكام الأتراك ـ و لم يبق عمليا نشاط لفقه النوازل الا في المغرب الأقصى الذي سلم من سيطرة الأتراك .
فإذا استثنينا النوازل المغربية (1) فان فقه الوقف قد تميز خلال هذه المرحلة باجترار ما قدمه فقهاء المرحلة السابقة و اقتصرت الكتابة على المتون (2) و الشروح و الحواشي...

5 ـ 4 : المرحلة الرابعة :
امتدت على القرن الثالث عشر الهجري فما بعد، همت المتأخرين و المحدثين من الفقهاء ، تميزت بمحاولة التخلص من جمود الفكر المغلق الذي ساد في المرحلة السابقة و تلاقح الحضارات و الانفتاح الواسع على مناهج وعلوم و فلسفة الغرب .
تم التطرق خلال هذه المرحلة لعدة مواضيع تهم تنمية الوقف واستثمار أمواله كما طرح فقهاء المالكية مسألة وقف الدنانير و علاقة السلاطين بأموال الوقف .
5 ـ 2 : أوقاف الماء من خلال فتاوي المالكية( نوازل الونشريسي نموذجا):
إن كتب النوازل (3) غنية بمادة تاريخية و إنسانية تهم الباحث في تاريخ الحضارة باعتبارها وصف صحيح و دقيق لمدى تطبيق المجتمع لمبادئ و قوانين و شرائع الدين ، وبالتالي تقديم الوصف الكامل و المفصل لمجتمع أثناء ممارسته لحياته اليومية ، العقائدية ، الاجتماعية ، الاقتصادية والسياسية أيضا .




ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) تراكمت كتب النوازل المغربية ابتداء من القرن الهجري العاشر، حتى أنه ألف في منطقة سوس الجنوبية (المتاخمة للصحراء) وحدها ما يقارب الستين كتاباً، ناهيك عن ما ألف بالحواضر العلمية الكبرى والمناطق الأخرى.
(2) طريقة المتون يعمد فيها المتأخرون إلى وضع مختصرات يجمعون فيها أبواب العلم كلها في ألفاظ ضيقة يتبارون فيها في الإيجاز، حتى تصل إلى درجة المسخ أو الألغاز، وتكاد كل كلمة أو جملة تشير إلى بحث واسع أو مسألة تفصيلية، ويسمى هذا المختصر متنا .
(3) تعرف في المغرب و الأندلس بكتب النوازل و في الشرق بكتب الفتاوي و في تونس بكتب المسائل.
و قد تعددت هذه المؤلفات الى درجة يصعب جردها علما أن أغلبها لازال مخطوطا و دفين الخزانات العامة و الخاصة و لم تستثمر بشكل جيد في البحث التاريخي سوى من طرف بعض المستشرقين (1) وقلة من الأكاديميين المغاربة (2) .
شكل كتاب " المعيار المعرب : والجامع المغرب عن فتاوي علماء افريقية والأندلس والمغرب" لأبي العباس أحمد بن يحيى الونشريسي نموذجا غنيا بقضايا و مسائل الماء و الأحباس من خلال الجزأين الثامن و التاسع وفق مذهب الإمام مالك الذي كان يشكل المرجع الفقهي الأساسي لأغلب فقهاء المغرب خلال القرن التاسع الهجري فما بعد الى درجة أن تدوين أغلب
كتب الفتاوى و النوازل استمرت في اتباع نمط الامام مالك و الشيخ خليل في تقسيم العمل الى قسم خاص بالعبادات و آخر بالمعاملات .
كتاب المعيار في جزءه الثامن تطرق بإسهاب لموضوع الماء في ما يزيد عن تسعين صفحة (3) تناول فيها كل ما يتعلق بمسائل وقضايا الماء ، مع وصف كامل لطرق استفادة السكان من مياه الآبار و السواقي و العيون و الأنهار ...
ان اهتمام فقهاء المالكية من أمثال الونشريسي بهذا الموضوع يجد تفسيره في الأهمية التي كان ولا يزال يحظى بها موضوع الماء، و كل ما يتعلق به في بلاد المغرب و الأندلس من ضرورة الحياة و الأنشطة الاقتصادية .
و ٍسأقف بين هذه النوازل على نازلتين جاء الونشريسي بعدد كبير من الفتاوي في موضوعهما و الخاصة بمسألة الأحقية في إصلاح مصادر المياه عند فسادها، و ذلك لارتباطها بموضوعنا من الجانب الفقهي كما سنرى في الفصلين اللاحقين ، حين قامت أحباس مكناس بإصلاح قواديس ماء المدينة من المنبع الى المسجد الأعظم ( إصلاح قادوس عين تاكمة وساقية عين كدح ) .
الأولى وردت في باب مسائل المياه بالجزء الثامن حول من يحق له أن يستصلح السواقي و

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أول من اهتم بها خلال النصف الأول من القرن العشرين المستشرقين : ليفي بروفنسال ، اميل عمار ، برانشفيلك ، شاخت ، روجي ادريس و جاك بيرك ...
(2)بدأ اهتمام الباحثين المغاربة باستثمار النوازل في الدراسات التاريخية أواخر الستينات مع عبد الله العروي ، محمد المنوني ، التهامي الزموري ، أحمد التوفيق و العربي مزين ...
(3)من الصفحة 5 الى 44 ثم من 379 الى 434 : اعتمدت طبعة وزارة الأوقاف و الشؤون الاسلامية المملكة المغربية تحقيق الدكتور محمد حجي 1981 للإشارة توجد طبعة حجرية فاس1314هـ/1896م.
مجاري المياه " مسألة في وجه الحكم في وادي مصمودة حيث تنازعوا مع الفاسيين في كنسه لزيادة الماء فيه لسقي خضرهم وثمارهم ..." (1)
و الثانية وردت في باب الأحباس بالجزء السابع حول اصلاح قادوس ماء يزود تجمع سكني بمرافقه "...يجلب لها الماء في قادوس كبير على نحو من أربعة أميال من البلد و ذلك الماء المجلوب منتفع أهل البلد ، ومنه ماء مساجدها و سقاياتها وحماماتها وشرب جميع أهلها ، و تعذر من القادوس المذكور مواضع عديدة دعت الضرورة الى اصلاحها و لم تف أحباس القادوس المذكور باصلاح ما ذكر ..." (2)
و يبين جواب المفتي أن الاصلاح من واجب من ينتفع بالماء أو يسعي للإنتفاع به و في حالة المنفعة الجماعية فإن الجميع مطالب بالمساهمة في عملية الاصلاح بحافز أن " من تطوع خيرا فهو خير له "وأن أفضل الصدقات " سقي الماء " .
ومادامت أحباس مكناس هي التي كانت تستفيد مباشرة من موارد المياه عن طريق جزاءها و الإنتفاع بمداخيلها فقد كانت هي المطالبة شرعا و القادرة ماليا للقيام بالإصلاحات اللازمة للزيادة في أشكال المال و بالتالي فإن " الماء المزيد لتلك المعدة هو لجانب الحبس خاصة " (3)و بذلك فإن تدخل الأحباس لإصلاح قواديس الماء كانت تتماشى و فتاوي الفقه المالكي .










ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)أحمد بن يحيى الونشريسي، المعيار المعرب الجزء الثامن ص 20.
(2) نفس المرجع السابق الجزء السابع ص 11.
(3) حوالة الأحباس الكبرى رقم 5 بمكناس ملحق رقم 26 رقية بلمقدم ص 575.


خـلاصـة



لقد تتبعنا بعض أحكام الوقف، وفق ما سطره فقهاء و علماء اهتموا بالموضوع ، فوقفنا عند ما يتماشى و موضوع بحثنا و يحقق مقاصده من بيان مفهوم الوقف و أهدافه و أقسامه وركزنا على أوقاف الماء ومرجعياتها و نوازلها في الغرب الاسلامي .
و خلصنا الى أن الوقف المائي هو ميزة حضارية إسلامية بامتياز قامت على أساس مرجعيتين أساسيتين : الأولى دينية ارتبطت بدعوة الاسلام الى التكافل الاجتماعي و البر و الإحسان قصد المثوبة و الغفران . و الثانية طبيعية ارتبطت بالطبيعة حيث الماء أصل كل مظاهر الحياة .
و قد تطور فقه الأوقاف وأحكام مسائل الماء من خلال النوازل و القضايا التي كانت تعترض فقهاء و أئمة الأمة الاسلامية على مر العصور ، وفي مختلف المناطق بما فيها النائية (الغرب الاسلامي نموذجا ) حيث الأعراف و التقاليد القبلية في تدبير شؤون الماء عريقة ومختلفة عن تلك التي كانت سائدة في المشرق .
و بذلك أثبت الفقه الاسلامي على يد جهابذته نجاعة وقوة في التعامل مع النوازل بكل تلاوينها على امتداد العالم الاسلامي من الغرب الى الشرق الأقصى .





























الفصل الثاني:




علاقة الوقف بإدارة المياه من منظور مؤسسي ـ وظيفي
نموذج إدارة أوقاف ماء مدينة مكناس
بالمغرب الأقصى







تمهـيـد
لقد تم تدبير شؤون مياه الوقف في مدينة مكناس خلال العهد الإسماعيلي (أواخر القرن11هـ ومطلع القرن 12هـ /17م18م)انطلاقا من أسس فقهية مالكية ،فشكلت نوازل و فتاوي الفقهاء أرضية صلبة تم وفقها تدبير شؤون الأحباس و هذا التأطير النظري الفقهي كان يتناغم مع السياق السياسي العام حيث كان المخزن ،خلال مرحلة أوج قوته ،قد تمكن من توفير الأمن في البلاد ففي " سنة 1130هـ...البلاد في أمن و عافية ،تخرج المرأة و الذمي من وجدة(1) الى وادي نول (2) فلا يجد من يسألهما من أين والى أين ،مع الرخاء المفرط ، فلا قيمة للقمح ولا للماشية ..." (3)
وباستتباب الأمن توفرت للمخزن آليات ضبط قطاع الأحباس ضبطا تاما من خلال سلطته الدينية والدنيوية ، عبر مختلف الأجهزة الإدارية و التقنية ، باعتبار أن قوة الدولة لا تكمن في الجانب العسكري فقط بل تتعداه الى تقوية الخدمات الاجتماعية و تحقيق الرفاه الاقتصادي وتحسين مستوى العيش .
وقطاع الماء في مؤسسة الأحباس هو القطاع الذي كان يفرض نفسه بقوة و يشكل آلية لتحقيق توازنات في المجتمع مما جعل المخزن الإسماعيلي يشدد قبضته عليه ،خاصة وأن سنوات الجفاف التي أصبحت تضرب المغرب من حين لآخر(4) كانت تخل بهذه التوازنات .
أمام هذه التحولات المناخية ، ومن أجل تحقيق الأمن المائي و الغذائي عمل المغاربة على تنشيط قطاع الأحباس وفق حاجيات المجتمع ، مع مراعاة تدبير أوقاف الماء تدبيرا يرقى الى مستوى تحقيق الأمن المائي و البيئي و تطوير المجال الأخضر في إطار منظومة متكاملة و نسق دقيق يكمل ويشد بعضه بعضا .











ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مدينة توجد شرق المغرب على الحدود الجزائرية .
(2) منطقة وادي درعة في الجنوب الغربي المغربي .
(3) الناصري احمد السلاوي ، الاستقصا في أخبار المغرب الأقصى ، الجزء الرابع ، البيضاء 1954،1956 ص97.
(4) سجلت نذرة الماء في تاريخ مناخ المغرب ابتداء من القرن الرابع عشر الميلادي و استفحلت في القرن الخامس عشر ليدخل مرحلة من تاريخه المناخي تمثلت في تعاقب دورات الرطوبة و الجفاف و ما يصاحبه من أوبئة ومجاعات . محمد احنداين ، مشاكل الري في الجنوب المغربي مجلة أمل عدد 24 ص 108.


سلطة تدبير موارد مياه الأحباس :
1 التدبير الإداري لمياه الأحباس :
أشرف الجهاز الإداري على مصالح مكونات المجتمع المغربي، بكل تفاصيله فقد جاء تدخله في مسألة تدبير الماء ، عبر التاريخ على ثلاث مراتب :
*المرتبة الأولى : خلق توازنات بين المجموعات المستفيدة من الماء، و توفير الماء لمن هم في حاجة إليه .
*المرتبة الثانية : المحافظة على البنية الإجتماعية بتقديم مكافآت للمجموعات التي تقدم الولاء و الخدمة فأصبح الماء ، بما فيه ماء الأحباس ،عملة يدعم بها المخزن مكانته .
* المرتبة الثالثة : إصدار أوامر صارمة لتزويد أملاك المخزن من أراضي فلاحية وقصور ... بالماء لتدعيم ثروتها وجاهها .
و بالنسبة لقطاع الأحباس فقد سهر على تدبير موارد مياهه جهاز إداري متماسك تداخل فيه الجانب المخزني و الشعبي ، فالسلطان كأعلى سلطة سياسية في البلاد كان له ولولاته سلطة الوصاية و المراقبة على الموارد المائية ، وللنظار و القضاة سلطة التدبير المباشر و السهر على تحقيق النفع العام لفائدة الحبس و المسلمين .
فقد ارتبطت قوة الأحباس و ازدياد و توسع ممتلكاتها بقوة الجهاز الإداري ، فيتزايد عددها وتصان حرمتها أيام قوة الدولة وعزتها وصولة سلاطينها ، و سرعان ما يصبح التمادي و التعدي على هذه الممتلكات الحبسية سهلا من طرف كل من سولت له نفسه ذلك ، أيام ضعف الجهاز المخزني ، ونموذج التعدي على ماء مسجد تطوان خير مثال "وفي تلك السنة أي سنة 1223هـ أعيد ذلك المسجد بعد ما أبعد عنه اليهود الذين كانوا يسكنون بجواره في الملاح البالي، وكانوا قد اتهموا بسرقة ماء المسجد الذي كانت أنابيبه تمر بدورهم تحت الأرض فقطعوها وبقي المسجد مدة من الزمن بلا ماء حتى علم بذلك وكرهت إقامتهم بجوار المسجد فاقتطعهم مولاي سليمان* أرضا خارج المدينة بين السور والمصلى القديم والفدان وبعد أن رضي اليهود الأرض الجديدة وشهد عليهم العدول وأمضى ذلك رؤساؤهم ،بني لهم الملاح الجديد ولا يزال حتى الآن".(1)
ــــــــــــــــــــــــــ
* هوالسلطان العلوي سليمان بن محمد بن عبد الله ( 1760 - 1822) حكم المغرب منذ عام 1792 حتى 1822 كان سياسيا و عالما و فقيها عرف بنهج سياسة الاحتراز من اوربا.
(1) محمد العربي الهلالي ، المسجد الأعظم بتطوان موقع الكتروني بريد تطوان .



1 ـ 1:السلطان :
على الرغم من استقلالية جهاز الأحباس الذي تميز بتنظيم إداري دقيق ، فإن السلاطين ساهموا على مر عصور تاريخ المغرب، خلال فترات قوة الدولة ، بشكل مباشر و قوي في دعم مؤسسة الأحباس،وذلك بتوفير الحماية القانونية و الهيبة المخزنية و الدعم المادي في شكل أحباس جديدة أو تجديد و إحياء أحباس قديمة في طريق التدهور ، و في هذا الإطار نقف على الظهير المؤرخ بأواسط محرم الحرام سنة 1106هـ/1694م لتجديد تحبيس مياه عين تاكمة على المسجد الأعظم بمدينة مكناس من قبل السلطان المولى اسماعيل كما ورد في حوالة الأحباس الكبرى لنفس المدينة .
" الحمد لله، نسخة ظهير سلطاني، كريم مولوي ، هاشمي و الثبوت عقبه نصه، بعد باسم الله الرحمان الرحيم و صلى الله على سيدنا و نبينا و مولانا محمد و على آله وصحبه و سلم تسليما ، عن أمر عبد الله ، و المعتمد على الله ، أمير المؤمنين ، و المجاهد في سبيل رب العالمين ، اسماعيل بن الشريف ، كان الله له وليا ونصيرا ، وعونا و ظهيرا ، بمنه آمين ، و به كتابنا هذا أعزه الله و أبد في الصالحات مسعاه و أكرم بادخاره لحبنا مثواه ، بمنه آمين يا رب العالمين ، يعلم منه بحول الله و قوته أنا أجرينا ماء عين تاجما المذكور بمحول الرسم المنقول هذا من ظهره بالمعنى و هو المستنسخ أسفله و المحبس على المسجد الأعظم بحضرتنا المحمية بالله مكناسة صانها الله على ( المهيع) الذي كان عليه و موقوفا لديه ، ولأجله من قديم الأزمان وأسقطنا عنه ورددناه لأصله..."(1)
ديباجة الظهير تشير الى أن السلطان العلوي المولى اسماعيل بن المولى علي الشريف (2) عمل على تجديد تحبيس جريان مياه عين تاجما ـ أو تاكما ـ وهي من العيون الكبرى التي كانت تزود المسجد الأعظم و مرافق كثيرة من مدينة مكناس ، وهذه المياه كانت في الأصل

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) حوالة الأحباس الكبرى رقم5 ص 297 ورد كملحق رقم27 في "أوقاف مكناس ..." رقية بلمقدم ص579.
(2) المولى اسماعيل بن المولى علي الشريف (1083ـ1140هـ/1672ـ1727م) رابع سلاطين الأسرة العلوية بالمغرب، اتخذ مدينة مكناس عاصمة لملكه، يعتبر المؤسس الفعلي لدولة مركزية قوية أواخر القرن17 ومطلع ق18م.






موقوفة منذ زمن بعيد على المسجد الأعظم (1)المعروف بالجامع الكبير بنفس المدينة ،والسلطان بظهيره هذا عمل على تجديد وتأكيد هذا
التحبيس ،وذلك لعدة أسباب :" ... ما تصرفت فيه أيد أهل الفترة ، من زمن الخلافة ، بلا شرع و لا حقيقة ، بل بتعد وعدوان ، في أيام كانوا بها فوضى ،ورفعنا عنه يد كل طامع فيه كائن ما كان ،وعلى أي وجه كان ..."(2).
فالمغرب عاش خلال الفترة الفاصلة بين تدهور وسقوط الدولة السعدية وقيام الدولة العلوية مرحلة تدهور غاب فيها "الشرع والحقيقة " وغلب خلالها "التعدي والعدوان " وكانت الأوقاف خلال هذه المرحلة الحائط الأقصر و الأقرب والأسهل للتعدي عليه خاصة إذا كان هذا الوقف ماءا رقراقا جاريا يغري بالاستيلاء عليه ونعلم أن هذه الفترة تخللتها حقب جفاف(3) ومجاعات وأوبئة (4) فكان ضروريا أن تعمل السلطة المخزنية بعد إعادة بناء أسسها من طرف السلطان المولى اسماعيل على حماية الوقف المائي وتنظيمه داخل المدينة .
"...إلا ما أجرى منه في ما هو من الأوقاف والمساجد والمدارس والسقايات ،بعد أدائهم من أوقافهم للمسجد الجامعي المذكور ما أنفقه من حبسه على إجراء الماء المذكور كل بقدر نصيبه منه ومن رام إدخال الماء لداره وقدر على جلبه لانتفاعه به في جميع تصرفاته ،ويدعه له ولبنيه من بعده ،فها ماء الوادي يعطى ما لزمه فيه ،ويأخذ منه ما يحتاج منه بثمنه ..."(5) .
إن عملية التوزيع كانت تتم بشكل مضبوط :فالمساجد والمدارس والسقايات التي تستفيد من
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) لا يعرف بالضبط الواقف ولا تاريخ وقف هذه المياه على المسجد الأعظم بمكناس والظاهر أن العملية قديمة فقد نقل صاحب الإتحاف عن الإدريسي وصف تاورا وهي إحدى حوائر مكناسة القديمة :" كانت مدينة تاورا متحضرة ...والماء يأتيها من جنوبها من نهر فينقسم في أعلاها ويمر ما انقسم هناك من المياه فيخترق جميع أزقتها وشوارها وأكثر دورها ..." عبد الرحمان بن زيدان إتحاف أعلام الناس بجمال أخبار حاضرة مكناس الطبعة الأولى 1929 الرباط الجزء الأول ص 59.
(2) حوالة الأحباس الكبرى رقم5 نفس المرجع السابق .
(3) عبد المجيد القدوري ، ابن ابي محلي الفقيه الثائر و رحلة الاصليت الخريت منشورات عكاظ الرباط 1991 ص 22.
(4) محمد الأمين البزاز تاريخ الأوبئة والمجاعات بالمغرب في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية الرباط سلسلة رسائل وأطروحات رقم 18 الصفحة 35 ، 41.
(5) حوالة الأحباس الكبرى رقم5 نفس المرجع السابق .


ماء المسجد الأعظم كانت مطالبة بأداء قيمة ما تأخذه من ماء من مداخيل أحباسها لتغطية تكاليف إجراءه .
كذلك الشأن بالنسبة للأفراد الذين يرغبون في الإستفادة من ماء المسجد المذكور ،فكل دار مطالبة بدفع قيمة جزاء قدر ما جلبته في ماء الإنتفاع به :"يأخذ منه بقدر ما يحتاج منه بثمنه."(1)
من خلال تدبير ماء الأحباس بمكناس، يتضح أن الإدارة لم يكن هاجس الربح هدفها الحقيقي ، بقدر ما كانت تسعى لدوام منفعة الإستفادة من هذه النعمة والخدمة في غياب أية مصلحة شخصية لأي كان، ما دامت المصلحة عامة في سبيل منفعة المسلمين و غبطة الأحباس.
يطرح الظهير مسألة تأبيد هذا الحبس وهذه المنفعة ويضع كل من سولت له لنفسه التبديل أو التغيير ،أي الاعتداء على أملاك الحبس ،أمام سلطتين :
الأولى السلطة الإلهية :"...فالله حسيبه ومسائله ".
الثانية دنيوية تتمثل في سلطة الوالي :"وحسب الواقف عليه من ولاة أمورنا وعهودنا ..."(2) و هي السلطة المخزنية التي كانت صارمة في تنفيذ أوامر الظهائر السلطانية وهي بذلك تحمي هيبة السلطان و المخزن بحمايتها للأوقاف .
ومن خلال نص هذا الظهير، و التفاصيل المهمة التي أوردها و دقق فيها، تتضح أهمية السلطة المركزية في شخص السلطان كأعلى سلطة دينية و دنيوية في البلاد في تنظيم قطاع الأحباس و منحه نفسا جديدا ،و هيبة اجتماعية ، وقوة سياسية قادرة على تجاوز مرحلة الخروقات التي عرفها هذا القطاع خلال مراحل ضعف الدولة المركزية وانحصار نفوذها داخل أسوار العواصم الكبرى ـ نموذج المرحلة الانتقالية من الحكم السعدي الى الحكم العلوي ـ .
و قطاع ماء الأوقاف بالضبط كان في حاجة الى سلطة قوية لحمايته خاصة خلال سنوات القحط و الجفاف وكتب النوازل بالغرب الاسلامي غنية بنماذج من ما تعرض له ماء الأحباس من اعتداءات و خروقات أدت أحيانا الى صراعات قوية بين أطراف مختلفة ، لذا فان هذا القطاع كان في أمس الحاجة الى التدخل على أعلى مستوى وحمايته سياسيا و قانونيا بالإضافة الى الحماية الدينية المعنوية .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) حوالة الأحباس الكبرى رقم5 نفس المرجع السابق .
(2) حوالة الأحباس الكبرى رقم5 نفس المرجع السابق .


1 ـ 2: القاضي :

كان القاضي يشرف على كل أنواع استغلال الأملاك الحبسية بما فيها الماء وذلك من أجل ضمان شرعية العقود ،فقاضي الجماعة ،كما سنبين الفصل اللاحق في إطار مراحل الجزاء كان يتتبع عمليات استغلال أملاك الأحباس ببحث ميداني من طرف "أرباب البصر"أي الخبراء و هم أصحاب الاختصاص في الميدان الذي يكلفون بمعاينته و متابعته بما يحققه العقد المبرم من منفعة وغبطة للحبس ،ولا يعتبر العقد نهائيا إلا بعد المصادقة عليه من طرف القاضي ففي مسألة استئجار شكل من الماء للراهب فرنسيس بمدينة مكناس "طولع بذلك كله الفقيه الأجل الغالي الأفضل قاضي الجماعة بالحضرة الهاشمية مكناسة وخطيب قصبتها السعيدة بالله وهو عبد الوهاب بن محمد العرايشي ...وبعد تأمله أعزه الله تعالى وحرسها ،وسئل منه حفظه الله وسرر رأيه ما عنده في ذلك بعد تأمله أعزه الله في ذلك وأداء المسلمين عليه بذلك كله فاقتضى نظره السديد ورأيه نظره الموفق الرشيد أن واقف على ذلك وأمضاه وواجب العمل بمقتضاه"(1)
وانطلاقا من ذلك فان للقاضي ولاية إشرافية على نظار الأحباس تتضمن ما يلي :
"ـ إقامة الناظر فيما لم يشترط له الواقف ناظراً أو شرطه فمات أو عزل .
ـ تقدير أجرة الناظر التي لم يقدرها الواقف , أو قدرها له وكانت دون أجرة المثل , فيفرض له تمامها . ولتحديد أجرة المثل بالنظر لكافة الجوانب المؤثرة وذلك بالاستعانة بأهل الخبرة .
ـ ينصب القاضي من يقوم بمصلحة الواقف إذا امتنع الناظر .
ـ إذا فسق الناظر المشترط من قبل الواقف فإنه يضم له أمين , فلا يتصرف إلا بموافقته .
ـ لا يخالف الناظر شرط الواقف إلا بعد استئذان القاضي .
ـ للقاضي الاعتراض على الناظر في فعل ما لا يسوغ , وله إلغاء تصرفه أو تضمينه .
ـ يحاسب القاضي الناظر حساباً إجمالياً , وله الحساب التفصيلي عند وجود الدعوى . وإذا ادعى صرفه فيما شرطه الواقف فلا يقبل إلا ببينة .
ـ لا يستبدل الناظر الوقف ولا يستدين عليه إلا بإذن القاضي .


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) حوالة الأحباس الكبرى رقم 5 ص 151 رقية بلمقدم مرجع سابق ملحق رقم 34 ص 613 .



ـ للقاضي عزل الناظر إذا خان أو لم يكن قادراً أو تصرّف بخلاف مصلحة الوقف . وبدون ذلك لا يعزله سواء كان مشترطاً من الواقف أو نصبه القاضي ."(1)
و بالمقابل كان القاضي يستفيد مباشرة ،عينا ونقدا ، من مداخيل الأحباس : فقد توفرت بمكناس دارا حبسية خصصت لسكن القاضي ، اذا كان غريبا عن المدينة ،و كان يستفيد أيضا من مرتب و إعانات " تنفيذ إعانة له على القضاء من أحباس المسجد الأعظم قدرها ثلاثون أوقية "(2)، ومن ريع أملاك حبسية في شكل بساتين و أراضي زراعية .(3)
1 ـ 3: الناظر:
هو الجهة المسؤولة مباشرة عن الملك الحبسي و استخلاص منفعته و إنفاقها فيما نص عليه المحبس بلفظه ، وتقديم تفاصيل الإنفاق الى الجهة المشرفة على الحبس .
و قد كانت النظّارة على الأحباس عبر تاريخ المغرب من أشرف ما تطمح إليه الأنفس، ولا يختار إليها إلا شديد الشكيمة في الدين ومدافعة المعتدين، ولأهميّة النظّارة، نجد القضاة أنفسهم يتقلدونها ومن شروط تولي النظارة : العلم ، الخبرة ، النزاهة وملائمة الذمة .
ان المحبسين سواء بالنسبة للأوقاف الخيرية أو الخاصة كانوا يعينون ضمن وثيقة التحبيس شخصا يشرف على الملك المحبس ويدبر إنفاق منفعته فيما حبس من أجله أو ينصبون أنفسهم نظارا ، وأمام تكاثر الأحباس و تقادمها أصبح من الضروري تدخل الدولة المركزية لما للأحباس من دور مهم و فعال في الحياة الاقتصادية و الاجتماعية .
اعتنى سلاطين المغرب مباشرة بأمور تدبير الأوقاف فهذا السلطان المولى اسماعيل يعين أبا
عبد الله محمد بن محمد الأندلسي ناظرا عاما للأحباس " فوقف أمله... أبي عبد الله السيد
محمد بن محمد الكاتب الأندلسي نجارا ...فقلده النظر المطلق الشامل التام فيه ... فوض له في ذلك وفي نوازل أحباس جميع الايالة السعيدة وكافة مساجدها القريبة و البعيدة بأتم وجوه


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)هاني عبد الله بن محمد الجبير "الإشراف القضائي على النظار" ، ورقة علمية مقدمة لندوة الوقف و القضاء، وزارة الشئون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد ،السعودية
(2)رقية بلمقدم مرجع سابق ص424 .
(3)نفس المرجع السابق .




التفويض مبسوط اليد على ذلك كله ..."(1)
و على نهج والده قام المولى عبد الله بن اسماعيل بإصدار ظهير سنة 1143هـ/1632م يعين السيد بلقاسم المسطاسي ليقوم ب " ما كان يقوم عليه من النظارة في أمور الأحباس في جميع الأقطار والمدن والبلدان والقرى و المداشر وبسطنا له اليد الطولى على جميعهم بحيث لا يقصر عن البحث والتفتيش في الأدنى والأقصى فإن جل مهماتنا هذا الأمر الأكيد وجعلناه
العوض منا في ذلك.... وعليه بمحاسبة النظار وأهل التصرف في هذا الأمر حتى يترك من أراد ويولي من أراد ومنا إليه في التقصير".(2)
و بذلك نشأت وظيفة جديدة في تاريخ المغرب وهي وظيفة "ناظر النظار" : وهي مؤسسة بمثابة ديوان يشرف على تدبير شؤون الأحباس و محاسبة النظار بتنسيق مع القضاء .
ثم ما لبثت هذه المؤسسة أن تطورت في عهد الحماية الفرنسية على المغرب (1912م/1956م) الى "بنيقة الأحباس " التي تولى رئاستها السيد أحمد الجاي بنص ظهير 31أكتوبر 1912م ، ثم تطورت هذه المؤسسة الى " وزارة الأحباس " في حكومة 7 دجنبر 1955 تولاها الفقيه محمد المختار السوسي .
و هذا التطور التاريخي في وظيفة ناظر الأحباس يبرز أهمية الحضور المخزني في تدبير هذا القطاع الحي في المجتمع ، لما له من امتدادات ، على المستويات : الاجتماعية و الاقتصادية و الدينية و الأمنية .







ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) حوالة الأحباس الكبرى رقم 5ص 28 ،37 ورد نص الملحق بعنوان " تعيين ناظر عام للأحباس " في أوقاف مكناس مرجع سابق ص453.
(2) الموقع الالكتروني لوزارة الأوقاف و الشؤون الاسلامية بالمغرب


2 ـ التدبير التقني لمياه الأحباس :
اعتمدت الأحباس إلى جانب التدبير الإداري لموارد مياهها داخل مدينة مكناس على فريق عمل بشري مكون من معلمين في تخصصات مختلفة وهم خبراء في مجال تخصصاتهم ، كانت فرق العمل هذه تشتغل باستمرار ونشاط و نكران للذات لا مثيل له، خدمة للصالح العام، من أجل استمرار تدفق الماء للمساجد والسقايات والمنازل ، و بذلك فان العمل بين الطرفين الإداري والتقني كان متكاملا ومنسجما بشكل ينم عن تنظيم حضاري راقي .
كان عمل هذا الفريق التقني يتم بالتدريج في حالة الضرورة لتدخله و ذلك ب :
ـ إجراء خبرة أولية لتحديد نوعية الإصلاح المراد تنفيذه .
ـ تقويم و تحديد كلفة الإصلاح المرتقب لشبكة ربط ماء الأحباس.
فعملية التدخل التقني لم تكن عشوائية بل كانت تقوم بعد إجراءات تقنية مضبوطة .
2 ـ 1:خبرة أولية لتحديد نوعية الاصلاح ( قادوس عين تاكمة ):
كانت الخبرة الأولية لتحديد أعطاب قنوات الماء القابلة للإصلاح توكل لفئة من " أهل المعرفة و كمال البصيرة و أشياخ صناعتهم " (1) في مدينتي مكناس و فاس "واليهم يرجع الآن ...في هذه الحضرة العلية بالله سبحانه و الحضرة الفاسية " أي في مدينتين كبيرتين في المغرب تميزتا بضخامة كثافتهما السكانية و بالتالي ربطهما و استهلاكهما الكثيف للماء .
فقد كان المطلوب من هؤلاء الخبراء ـ المعلمين أن يشخصوا العطب و يبينوا أضراره على الماء و البيئة المحيطة و يقترحوا حلولا لمعالجته بما فيه مصلحة الأحباس .
وإذا علمنا أن الإصلاح كان يهم "تجديد قادوس عين تاكمة" وهو القادوس الذي يزود المسجد الأعظم و مدينة مكناس بالماء ،أدركنا أهمية هذا الإصلاح لذا أسندت دراسته الأولية لخبراء ـ معلمين تشير إليهم الوثيقة بالأسماء :وهم أربعة معلمين قنويين وخمسة بنائين ونجار .
بعد قيامهم بدراسة ميدانية "ووقفوا على عينه من مبداه (كذا) إلى منتهاه وتأملوه إكمال التأمل "(2) استنتجوا أن الماء المذكور على طول مجراه في القادوس الرابط بين العين و المسجد
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)ملحق 28 رقية بلمقدم ،أوقاف مكناس ص583.
(2)نفس المرجع السابق.
الأعظم "مفتقر كل الافتقار إلى إصلاح وتحصين وتبديل لمجراه المذكور ،بمجرى آخر "(4) وزادت دقة ملاحظة هؤلاء لتبين أن المشكل ، ليس في تبديل المجرى أو القادوس فقط، بل أٍيضا في مستوى ارتفاعه وبالتالي فإن الإصلاح يتطلب تعميق المجرى لتسهيل الجريان و الحد من "ردعة الماء "(5) التي لوحظ أنها هي السبب الحقيقي في ضياع ماء كثير ، فالحل يكمن في إحداث " مجرى آخر يكون أنزل من المجرى الأول ليزول ما فيه من الإمتلاء و الردع الكثير ... لكون ردعه الى أصل العين بأزيد من عشرة أشبار "(1) و هذه الكمية الهائلة كانت في السابق في عداد المياه الضائعة علما أن المدينة في حاجة إليها .
و أمام هذا الوضع تم اقتراح : تجنب اعتماد القادوس وتبديله بوسيلة أخرى " فإذا بدل وجيء به في بناء محكم "(2)أي في ساقية مبنية بالآجور و الجير(3) ، ويشير الخبراء ـ المعلمين الى أن هذه الطريقة هي الأنسب لإصلاح القادوس المذكور من وجهتين :
الأولى أنها آمنة عليه من الردع و ضياع الماء لأن الساقية أكثر اتساعا .
الثانية أنها أقل كلفة حيث تسقط كلفة القواديس و عشرات القناطير من زيت سلاقة .
والمتأمل في هذه الخبرة يلمس أن المكلفين بها يتوفرون على مهنية عالية : فبعد المعاينة ، يحددون مكامن العطب ، ثم يقترحون الحلول المناسبة ، مستحضرين المنفعة العامة و حسن تدبير ماء الأحباس و الحفاظ عليه من كل أشكال الضياع .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
4نفس المرجع السابق
5نفس المرجع السابق
(1) ملحق 28المرجع السابق ص583.
(2) نفس المرجع السابق
(3) هذه طريقة قديمة اعتمدها القدامى في تزويد مدينة وليلي ـ ما قبل المرحلة الإسلامية من تاريخ المغرب ـ بالماء لازالت آثارها باقية شرق مدينة مولاي إدريس زرهون الى الآن في شكل ساقية فوق قنطرة .(انظر عبد الله الداودي :زرهون في ذاكرة التاريخ دراسة سوسيوـ قتصادية للمجتمع البوعسلاوي ماقبل الرأسمالي )



2 ـ2: تقويم اصلاح شبكة ربط ماء الأحباس :
فلإصلاح شبكة الماء التي تزود المدينة يقدم فريق من خبراء التقويم، الذي يشكل أفراده "العارفين بقواديس الماء الجاري وقيمها وكم يدخل من الزيت والإقامة في حال طيها وما ينفق عليها والصلاح والسداد في ذلك وغير ذلك من أحوالها"(2) تقريرا أوليا و مفصلا للتكاليف المفترضة لعملية الاصلاح يقدم للناظر .
كانت مدينة مكناس تتوفر على فريق تقني من القنويين ورد ذكر بعضهم في وثائق وعقود مياه الأحباس منهم : الحاج محمد القنوي ،الأمين بوعزة القنوي ،المعلم عبد الله العلج القنوي ،المعلم المعاشقي القنوي ،المعلم عبد الرحمان العلج القنوي ،المعلم أحمد المعاشقي القنوي ، المعلم علي بن أحمد القنوي ...
فهؤلاء الخبراء هم القائمون بشؤون الإصلاح في المدينة و قبل أي عمل كانوا مطالبين بتقديم تقويم أولي دقيق ومتكامل لعملية الإصلاح "فهم أهل البصر والمعرفة بالبناءات والسواقي ...وما هو متداع للسقوط والبناء ويخشى منه الهلاك ..."(3) لتقويم إصلاح قادوس ماء الوادي وقادوس عين تاكما اللذين يزودان مدينة مكناس بماء الأحباس قدم المعلمين القنويين الحاج حم القنوي والأمين أبو عزة بن أحمد التواتي القنوي، شهادة تقويم(4) الإصلاح (5) مفصلة، في 14 رجب عام 1110 هـ/1698 م حاولنا استخراج و بيان تفاصيلها في الجدول التالي :




ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(2) ملحق رقم 23 نفس المرجع السابق ص 561.
(3) ملحق30 نفس المرجع السابق ص 394.
(4) التقويم في هذه الوثيقة ورد بمفهوم دراسة ميدانية لمعرفة تكاليف الإصلاح و يحمل مفاهيم مختلفة في مجالات حبسية أخرى كتقويم غلة الأشجار ، تقويم الخسائر ...
(5)ملحق رقم 23 نفس المرجع السابق ص 561.

جدول تقويم إصلاح شبكة ماء الأحباس
بمدينة مكناس

الكمية و طبيعة المصاريف التفاصيل القيمة الإجمالية
إصلاح قادوس
ماء الوادي 9000قادوس 1,25أوقية
للقادوس
الواحد 1125مثقال
150قنطار زيت سلاقة 2,5 رطل للقادوس 937مثقال
جيار ، تراب ، حجر ، آجر ، أنصاب ، أجرة أجراء الشق والطي،أجرة المعلمين ،الأكل . ــــــ 1646مثقال
مجموع المصاريف المرتقبة لإصلاح قادوس ماء الوادي 3708مثقال
إصلاح قادوس
عين
تاكمة




11000قادوس 1,25أقية للقادوس الواحد 1346مثقال
183.3قنطار زيت سلاقة 2,5 رطل للقادوس 1146مثقال
جيار ، تراب ، حجر ، آجر ، أنصاب ، أجرة أجراء الشق والطي،أجرة المعلمين ،الأكل . ـــــ 2199مثقال
مجموع المصاريف المرتقبة لإصلاح قادوس عين تاكمة 4620مثقال

فخبرة التقويم كان يشارك فيها معلمين قنويين و بنائين و نجارين و كل من له علاقة بعملية الإصلاح ،أو ما يعرف في لغة الأحباس بالخبراء ،و هذه الخبرة كانت تتطلب دراية ميدانية واسعة بشبكة القواديس و كافة أشكال القنوات و المجاري ، من حيث طولها و سعتها و توزيعها داخل المدينة ، و هؤلاء هم المتمكنين أيضا من أسرار وخبرة مهنهم ، من حيث طبيعة وكمية المواد التي قد تدخل في الاصلاح : زيت سلاقة قواديس ،آجر، جير، حجر...




















3 ـ إدارة مياه الوقف... إدارة متكاملة لمصادر المياه؟ :

إن الاهتمام المتزايد بقضايا المياه خلال العقود الأخيرة ،خصوصاً في المناطق الجافة و شبه الجافة، أدى إلى ظهور العديد من المصطلحات العلمية النظرية في هذا المجال، مثل إدارة العرض والطلب وتسعيرة المياه وكفاءة الاستعمال وترشيد الاستهلاك والجدوى الاقتصادية وغيرها، ، إلا أن معظم هذه المصطلحات لازال يكتنفها الغموض وسوء الفهم بسبب تجردها وقابليتها للتأويل انطلاقا من معطيات هيدرومناخية وبيئية واقتصادية واجتماعية .
من هذا المنطلق تبرز الحاجة إلى تغير هذه المفاهيم في ظل الظروف العامة ، المتسمة بالجفاف البيئي وندرة المياه وارتفاع تكاليف تنمية واستثمار مواردها ، ومن ضمن المفاهيم الحديثة في إدارة الموارد المائية تم الشروع في تداول مصطلح الإدارة المتكاملة للمياه الذي يركز على المشاركة الواسعة و تحقيق التنمية المستدامة ونقل إدارة الماء إلى المستخدمين و المستفيدين ضمن إطار قانوني وتنظيمي منسق.
ومن خلال دراستنا لتاريخ تدبير شؤون الماء ، نجد أن الوقف لعب دورا كبيرا في تحقيق الأمن المائي لساكنة الحواضر في المغرب الأقصى وباقي البلاد العربية الإسلامية عبر العصور ، و أحباس ماء مدينة مكناس نموذج حي على أهمية هذا الدور ، ففي مرحلة مبكرة من التاريخ الاسلامي تنافس المسلمون في تخصيص أوقاف كثيرة للماء ، ليكون في متناول الناس وكل الكائنات الحية ، و لتنمية المحيط البيئي تنمية مستدامة بشكل متكامل من خلال تدبير وإدارة هذه الأوقاف المائية إدارة ترقى الى مستوى التدبير الشامل لمصلحة كافة عناصر المنظومة البيئية ،قبل مؤتمر منظّمة الأمم المتحدة حول البيئة والتنمية المنعقد في ريو دي جينيرو عام 1992 وكذا المؤتمر الدولي حول المياه والبيئة المنعقد في دبلن نفس السنة*، بأكثر من ألف سنة ، انطلاقا من مجموعة من الأسس اعتمتدها اوقاف المياه عبر التاريخ الاسلامي و دعت اليها مؤتمرات البيئة التابعة للأمم المتحدة حديثا :
3 ـ 1: الأساس الإجتماعي:
ساهم الأفراد في تدبير شؤون المجتمع الاسلامي بشكل قوي الى درجة أن هذه المساهمة كانت أحيانا تتجاوز دور الدولة المركزية ، فقد كان الحس العام الذي تمليه المرجعية الدينية الإسلامية يدفع نخبة اجتماعية متميزة : رجالات المخزن الأعيان ، الشرفاء شيوخ الزوايا...
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* خلال المؤتمرين المذكورين مطلع تسعينات القرن العشرين بدأت تتبلور فكرة " الإدارة المتكاملة لموارد المياه " و انتشر المصطلح على نطاق واسع .
أي القادرة ماديا على تخصيص جزء من ثرواتها في شكل وقف لتعالج الاحتياجات الجماعية، وتبادر الى تنفيذ توفيرها بحس حضاري وجودة ووفرة ، ونماذج سقايات المدن المغربية خير دليل ـ انظر نموذج سقاية الجمعة وسقاية الذهب بمكناس ـ .
فتوفير الماء استفادت منه كل الشرائح الاجتماعية داخل المدينة، دون استثناء فئة معينة لأسباب عرقية أو طبقية أو دينية ، في جو من التعايش و التسامح بين هذا النسيج الاجتماعي .
لم تكن المشاركة في مجال الأوقاف قاصرة على فئة اجتماعية بعينها دون أخرى، فقد أسهمت فيه الشرائح الوسطى إلى جانب الأغنياء، كما انخرطت فيه النساء إلى جوار الرجال دون تمييز.
على مستوى دور المرأة المسلمة في مجال الأوقاف ، فقد تجاهلتها تقارير الأمم المتحدة التي تجمع على أن المرأة المسلمة تعاني من التهميش التاريخي المتجذر في بنية الثقافة الإسلامية وهي نظرة خاطئة تقوم على النظر الى الظاهرة من زاوية الثقافة الغربية ،لا غير بل تحاكم من خلالها تاريخ الشعوب والحضارات الأخرى(1) .
وانطلاقًا من تلك الرؤية المبتورة أحجمت الأمم المتحدة عن النظر إلى الوقف باعتباره تجربة تنموية إسلامية ، ساهمت المرأة في كل مجالاتها، مما ينفي عن هذه الأخيرة مظاهر السلبية و يبرز فعاليتها ، فقد بيننا دور أوقاف السيدة زبيدة في توفير الماء لحجاج بيت الله الحرام .
و المتتبع لتاريخ أوقاف النساء يدهشه حجم المشاركة النسائية الواسعة فيها ، سواء من حيث المبادرة إلى بناء الأوقاف أو إدارة المنشآت الوقفية في مجالات مختلفة و متعددة ، وتعود الإسهامات الوقفية النسائية الأولى إلى أمهات المؤمنين رضي الله عنهن،وتبعتهن زوجات و بنات الصحابة و الأمراء و الخلفاء ... فهن أول من أوقف من النساء ، وترجع أول إدارة نسائية للوقف إلى أم المؤمنين السيدة حفصة رضي الله عنها، التي عهد إليها الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه بمهمة الإشراف على بعض الأوقاف التي يملكها في حال وفاته فكان ذلك تشريفا للمرأة المسلمة و دليلا على جواز إدارتها لشؤون الوقف و دحضا لمقولة تهميشها التي رددها مفكروا الغرب و أبواقه في الشرق .
ــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) موقع لواء الشريعة مقال قيم لفاطمة حافظ حول أوقاف النساء .. ميراث من الفاعلية



3ـ 2: الأساس البيئي :
كانت السقاية المغربية المرينية نموذجا حيا لهندستها الرائعة المنسجمة مع محيطها في الحي: باب المسجد أو المدرسة ...فبرع فنانون مغاربة خلال العصر المريني في صنع لوحات الفسيفساء الدقيقة ولوحات النقش على الجبس والخشب على واجهات هذه السقايات و سقوفها تعكس في جماليتها روعة الزخرفة المغربية وسلامة الذوق الفني في الشارع العام .
كانت هذه التحف الفنية على قارعة الطريق تدل على بيئة سليمة وجمالية روح الإنسان المغربي بمن في ذلك العوام الذين كانوا يتوافدون على هذه السقايات لاقتناء الماء.
كما كانت هذه المرافق العمومية توفر الماء أيضا للحيوانات ،فقد بني في كل واحدة منها حوضا مرتفعا عن مستوى سطح الأرض يجمع فيه فائض ماء السقاية ، بني خصيصا لترد منه الدواب التي كانت تشكل وسائل النقل والحمل الرئيسية داخل المدينة ،ولازالت إلى يومنا هذا تلعب نفس الدور داخل الأزقة الضيقة لمدينة فاس القديمة ، في فنادق المدينة ـ وأغلبها في ملك الأحباس ـ في الطابق الأسفل منها بنيت أيضا أحواض مائية لتوفر الماء بغزارة لهذه الحيوانات .
وبناء عليه فإن الساهرين على إدارة الوقف بالمدينة كان الجانب البيئي حاضرا عندهم بقوة إنطلاقا من أخلاقيات المسلم التي تجعل النظافة من الإيمان وتوفير الماء لكل ذي كبد رطب صدقة .
3 ـ 3:الأساس الاقتصادي :
لقد استحضر المشرفون على إدارة مياه أحباس مكناس هذا الأساس الاقتصادي في تدبير مياه المدينة فعملوا على استثمار هذه الثروة ، وفق ما ينص عليه الشرع الاسلامي في مجال فقه المياه و الظهائر السلطانية المنظمة و الأعراف المحلية لتدبير شؤون الماء .
فاعتمدوا أسلوب جزاء فيض الماء، مما وفر موردا ماليا كبيرا للأحباس و حقق لها أوفارا مهمة قادر على تنمية قطاع الماء تنمية مستدامة من خلال توفير شبكة ربط قوية و مداومة إصلاحها من أجل دوام نعمة ماء الشرب و استفادة كافة المرافق من خدماتها .
فقد كانت هذه " الأوفار " تحقق غبطة للحبس يتماشى استثمارها مع مفهوم التنمية المستدامة بحيث توظف بشكل يجعل تنمية مشروع مياه الأحباس قادرا على تحسين حياة الناس ورفع مستوى عيشهم وتلبية احتياجاتهم اليومية .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) حوالة أحباس مكناس رقم 5 ص 296 أوردتها رقية بلمقدم ملحق 29 ص 587.


و ما يلفت الانتباه هو أن أوفار المياه الخاصة بأحباس المسجد الأعظم مثلا كانت تستثمر في تنمية مشاريع حبسية أخرى تدر بدورها مداخيل مالية جديدة لفائدة الأحباس كبناء الحوانيت و الحمامات ... و بالمقابل كان إصلاح الماء يتم بدعم من وفر أحباس المساجد الأخرى بالمدينة فقد تم إصلاح قادوس عين تاكمة من وفر المساجد (1) والحفاظ على هذه الثروة المائية وحسن تدبيرها بواسطة استثمار"الأوفار" يضمن إمكانية توفير وتلبية احتياجات الأجيال اللاحقة من ماء الشرب والري وهو أساس ما يعرف بالتنمية المستدامة .
3 ـ 4: الأساس الحقوقي :
يرتبط هذا الأساس في مجال أوقاف الماء بالمرجعية الدينية ،انطلاقا من مفهوم الماء في الإسلام ،التي تجعل منه حقا لكل الناس باعتبارهم شركاء ، انطلاقا من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم :" الناس شركاء في ثلاث الماء والكلأ والنار"، متفق عليه ، والشركة هنا في هذا الحديث الشريف يقصد بها الحقوق المتساوية للأفراد .
وقد ورد في الحديث مصطلح "الناس" وهو مفهوم شامل ولم يرد ذكر المسلم أو العربي أو الأسود ... فالحديث لم يربط حق الإنسان في الماء بعقيدة أو لون أو عرق أو انتماء طبقي... بل ان الشركة في الماء بين كل البشر، و هو بذلك في متناول كل الناس بالتساوي في حالة وجوده .
وحق الإنسان في الماء ، كما يحدده الإسلام ينطلق من مجموعة من الحقوق الأساسية الأخرى للإنسان، التي وردت في الإعلان العالمي، منها :
ـ حق الحياة: لربطها الحياة بكل أصنافها و مراحلها بالماء من خلال الآية الكريمة "...وجعلنا من الماء كل شئ حي أفلا يومنون " (1) صدق الله العظيم ، أي أن حق الحياة رهين بالحصول على الماء الذي جعل منه الله أصل كل شيء حي .
ـ حق التعبد : وذلك بربط كل أشكال العبادات الإسلامية من صلاة و صيام وحج ...بالماء مباشرة عن طريق التطهر، فلا تقبل هذه العبادات إلا بعد الاغتسال أو الوضوء .
و بالتالي فان حق حصول الانسان على الماء حق تفرضه شريعة السماء و الأرض ، وقد راعت الأحباس في إدارتها لموارد مياه أحباس مكناس هذه الحقوق وفق ما تحدد الشريعة الإسلامية فمدت شبكة الماء الصالح للشرب في كل أحياء المدينة بما في ذلك الحي اليهودي
ـ المعروف بالملاح في عمارة المدن المغربية ـ الذي كان يتوفر بدوره على عدد من
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(2) سورة الأنبياء آية 30.

السقايات على غرار باقي الأحياء الإسلامية في المدينة ، ومكنت الراهب النصراني فرنسيس ورديان في مدينة مكناس من جزاء فيض سقاية الماء بحي" قاع وردة " بنفس الطريقة و الشروط و القيمة التي كانت الأحباس تجزي بها الماء للناس إسوة بالمسلمين و الجدول الخاص بالجزاء في الفصل الثالث يبين ذلك بوضوح .
فهذه الأسس الأربع ذات الطابع الاجتماعي ، الاقتصادي ، البيئي و الحقوقي هي الأسس التي انطلق منها مفهوم الإدارة المتكاملة لموارد المياه كما حددتها المؤتمرات التابعة لهيئة الأمم المتحدة ، إلا أننا نجد خطوطها العريضة حاضرة في مجال مفهوم الماء في الاسلام وتدبير مصادره وفق قواعد وقوانين تستحضر مفهوم الاستدامة و الحفاظ على البيئة .
و تقارير المنظمات الأممية تتجاهل دور الوقف المائي في التاريخ كتنظيم إسلامي، ساهم في بناء صرح الحضارة البشرية في المجال البيئي ، لكون منظريها أسيري المرجعية الغربية التي تعتبر كل ما لم يأت عن طريق الغرب فهو تخلف ، وغير قابل لمسايرة التطورات الحضارية المعاصرة .
إن تجارب إدارة موارد المياه من طرف جهاز الأحباس في المدن الاسلامية تبرز للعالم أن المسلمين الذين نظموا تدبير المياه في مدن صحراوية جافة كمكة في الحجاز ومكناس في الغرب الإسلامي و أحدثوا محكمة المياه في الأندلس(1) لقادرين على إحياء ثراتهم المائي وتدبيره من جديد لو توفرت المؤهلات المادية و البشرية و الإرادة السياسية .





ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) محكمة المياه في بلنسية بالأندلس أنشأهاعبد الرحمن الناصر سنة 318هـ، وأحدث وظيفة وكالة الساقية، وهى عبارة عن ممثل يقوم بتمثيل الأراضي التي تسقى من ساقية معينة كقاض في محكمة المياه. ومازالت هذه المحكمة تعمل إلى اليوم بنفس نظامها القديم انظر سيـمون الـحايك، محكـمة المـياه فـي بلنـسية، ص 214، ندوة إسهامات العرب في علم المياه والري، الكويت، 1988.





4 ـ إدارة مياه الوقف ...الحفاظ على البيئة والتنمية المستدامة :

إن نظام الأحباس كما سبقت الإشارة هو ابتكار إسلامي مؤسساتي بامتياز جسد الرقي بالشعور الفردي الى المسؤولية الجماعية أي من المستوى الخاص الى العام وهو نظام يحمل في طياته بوادر تطوره، لذا نجد أن نظام الأحباس عبر التاريخ عرف عدة تطورات و شمل عدة ميادين و تعامل مع مستجدات و نوازل وفق شروط عصرها .
رغم التطورات المادية وأنماط الحياة الجديدة فإن نظام الأحباس لا زال يحمل هذه البوادر إلى يومنا هذا وهو نظام قادر على التكيف ، إذا توفرت له شروط مناسبة مع نمط الحياة الجديدة في زمن العولمة الثقافية ،الذي أصبح فيه العقل العربي أمام تحدي كبير لاستلهام معالم حضارته العربية الإسلامية ونظمها بالبحت والتطوير للحفاظ على الهوية الجماعية للأمة ،بشكل يحقق تنمية مستدامة منبثقة من أغوار التاريخ الإسلامي الإجتماعي و الاقتصادي والبيئي عوض الخضوع للإملاءات والشروط المهينة المفروضة من طرف مؤسسات النقد العالمية .
فإذا اعتمدنا مفهوم مصطلح المجتمع المدني المستمد من المرجعية الغربية باعتباره "كل المؤسسات التي تتيح للأفراد التمكن من الخيرات والمنافع العامة من دون توسط الدولة"(1)نجد أن ثقافتنا الدينية وتاريخنا العريق غني بمكونات قيمية ومؤسساتية أصيلة مثل التراحم والإحسان والجوار والأخوة والزكاة والأوقاف... وهي مفاهيم وآليات تبرز، كما أشرت في البداية ،مظهرا حضاريا يتجلى من خلاله دور الفرد في تنمية الجماعة وذلك بالإحساس بحاجياتها والتدخل الفعال للاستجابة لهذه المتطلبات بشكل مستقل نسبيا عن الدولة والجهاز الحاكم .
فأوقاف المياه ،و نظام الري في أراضي الأحباس، ونظام السقايات ،وتوفير مياه الشرب في أحياء ومساجد ومدارس ...مدن العالم الإسلامي ، نموذج حي لانخراط الإنسان والمجتمع بكل تلاوينه كل على قدر استطاعته في بناء قيم حضارية راقية تتجاوز المصالح الشخصية و الفردانية الضيقة لتصب في المصلحة الجماعية مستحضرا الجوانب القيمية الراسخة في الدين الإسلامي .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الدكتور عودة الجيوسي المدير الإقليمي للإتحاد الدولي لمنظمة غرب ووسط آسيا وشمال إفريقيا مقال حول "الوقف البيئي ودوره في بناء المجتمع المدني "




4 ـ 1 :البيئة ومياه الأحباس الخاصة بالشرب:
يسهر على تدبير مياه الأحباس فريق متكامل من الإداريين و التقنيين بهدف وصوله من المنبع الى الاستهلاك في ظروف صحية ملائمة ، فقد اعتمد القنويون في ربط شبكة قنوات الشرب
على مواد طبيعية صديقة للبيئة ، فالقنوات كانت تصنع من الفخار أو من الجير ، في حالة السواقي الكبيرة ، وربطها لمنع التسربات كان يتم بواسطة زيت سلاقة
، كما كانوا يعتمدون على صوف الغنم لإغلاق فجوات التسربات الكبرى، فالمواد التي ذكرتها بعض وثائق الاصلاح، بالإضافة لما ذكر نجد: تراب، جيار، حجر، آجر و أنصاب ...(1)
وهذه المواد التي كان يعتمدها القنويون مستخرجة من الطبيعة المحيطة بهم ،لا يدخل فيها أي مكون من مكونات المواد الصناعية الضارة بصحة الانسان ، ولا بالبيئة المحيطة به .
ومياه الصرف الصحي كانت بدورها اقل تلوثا لعاملين اثنين :
العامل الأول: يتمثل في ضعف الى حد انعدام استعمال الانسان للمواد الكيماوية في مجال نظافة بدنه أو أدواته في المطبخ أو البيت عموما ، علما أن هذه المواد أصبحت في الوقت الحالي تشكل كابوسا بيئيا ، بل كان يعتمد نوعا من الصابون يعرف بالصابون البلدي ، مشتق من بقايا عصير الزيتون .
العامل الثاني : يتمثل في غزارة صبيب مياه الصرف الصحي حيث أن المياه العذبة كانت جارية باستمرار من خلال أنابيب تختلف في حجمها فقط ، وهذا الجريان الدائم يحقق للطبيعة توازنها .
4 ـ 2 : البيئة ومياه الأحباس في جزاء أراضي الري :
أراضي الأحباس المسقية كانت تجزى بعد موافقة خبيرين هما من " أرباب البصر و أهل المعرفة بعقد الجزاء في الأراضي المحبسة " (2) إليهما يرجع ناظر الأحباس لتحديد وجيبة الجزاء ، لكونهما مطالبين بمراعاة مصلحة الوقف من " صلاح و سداد و غبطة و رشاد لا غبن في ذلك ولا بخس و لا حيف و لا شطط " (3).
و هذا النظام ،هو المعمول به من طرف الأحباس في جزاء الأراضي خاصة المسقية ، و هو نفسه الذي اعتمد في جزاء أراضي العرائش بأحواز مكناس ، وذلك لكونه كان يراعي تنمية أراضي الوقف و الحفاظ على مياهها المستعملة في الري .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) انظر جدول اصلاح قادوس ماء الوادي و قادوس ماءعين تاكمة في مجال التدبير التقني .
(2) حوالة أحباس المساكين رقم3ص 246 ـ247 رقية بلمقدم مرجع سابق ملحق 32ص 605.
(3) المرجع السابق ص 606.

كانت هذه الأراضي تجزى لمدد طويلة تراوحت بين 10و 30 سنة خلال الفترة الزمنية الممتدة من 1101هـ الى 1137هـ (1) ، الأمر الذي يشجع المكتري على تجهيز الأرض و
تطوير نمط الإنتاج و بناء السواقي لنقل المياه و توسيع رقعة الري و المجال الأخضر عن طريق الغراسة .
بالإضافة الى مدة الجزاء الطويلة الأمد ، كانت وجيبة ـ قيمة ـ الجزاء متواضعة اذا علمنا أن قيمة جزاء الأرض ، كانت تتراوح في أحسن الأحوال ، بين 1,75 و50أوقية سنويا (1)خلال نفس الفترة السالفة الذكر ، وهي مبالغ ندرك قيمتها اذا قارناها بجزاء الماء في المدينة ، حيث أن جزاء الشكل الواحد من ماء الشرب ، كان يكلف 50 أوقية سنويا .
و بذلك نستنتج ،من خلال المدد التي كانت تجزى خلالها أراضي السقي الحبسية، و قيمة الجزاء ، أن الأحباس ساهمت بشكل مباشر و فعال في التنمية الاقتصادية والإجتماعية و البيئية للمجتمع الاسلامي.
4 ـ 3 : دور الوقف المائي في توسيع المجال الأخضر:
من أهم أشكال استثمار مياه الري في استغلال الأراضي الفلاحية الحبسية ،اعتماد نظار الأوقاف على أسلوب المغارسة ، وهي شكل من أشكال استغلال الأملاك الحبسية و ذلك بتكليف مزارع بغراسة أشجار و خدمتها و رعايتها و سقيها الى أن تصبح قادرة على الإثمار على أن يكون للمزارع الغارس نصيب في قيمة غلة الأشجار التي غرسها ، يحدد في وثيقة المغارسة ، وغالبا ما يصل الى الثلث .
فقد عرف المجتمع القروي المغربي نظام المغارسة على نطاق واسع ، لما له من أهمية في إعادة توزيع الثروة الفلاحية بين الملاك و الكادحين في البوادي ، و توسيع المجال الأخضر و توفير الأمن الغذائي لسكان المدن .
وفر نظام المغارسة للفلاح الكادح فرصة للحصول على نصيب مضمون من الغلة الفلاحية التي يرعاها في أرض الجزاء ، وكان لهذا الحافز المادي ، دور أساسي في توسيع المجال الأخضر حول المدينة ، وبذلك استفاد المزارع و الأحباس و البيئة المحلية .


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)رقية بلمقدم مرجع سابق جدول أجزية بعض أملاك حبس المساكين ص 398 ـ 399.
(2)المرجع السابق نفس الصفحتين.

شكلت المزروعات الشجرية ، التي نشأت في أغلبها عن نظم المغارسة ، حزاما أخضرا محيطا بالمدينة المغربية العتيقة ، ووفرت المواد الغذائية من فواكه و خضر و زيوت ... لسكان المدن ، فقد اشتهرت كل مدينة مغربية قديمة بنوع من المزروعات الشجرية أو العطرية : كالإجاص التطواني و النعناع المكناسي و التفاح الفاسي ...
عمل النظار على تشجيع غراسة الأرض الحبسية لما فيها من إصلاح للأرض و حماية للتربة و استثمار جيد لمياه الري و منفعة للحبس ، فقد كان الناظر، في بعض الأحيان، يشترط على المزارع الذي يجزي أرضا حبسية ،غراستها بأنواع معينة من الأشجار المثمرة ، نورد هنا نماذج من خلال حوالة أحباس المساكين بمكناس :
" من الأسعد السيد عبد الوهاب بن السيد محمد العرايشي التزم المكرم قاسم علي التنبولي جزاء جميع الطرف السقي الكائن بالعدوة القصوى...يعرف بالمسوس لمدة من ثلاثين سنة ...على أن يغرسه بأشجار التين و الزيتون و دوالي العنب و يعالجه ..." (1).
" من الفقيه ...عبد الوهاب العرايشي ناظر أوقاف المساكين ...التزم المكرم الحاج عبد الرحمن...الحارثي يوسف البنا أمين الدار العالية بالله جزاء جميع الفدان الكائن بالعدوة القصوى ...ليغرسه بأنواع الأشجار و ضروب الثمار ..." (2)
عرفت ظاهرة انتشار مغارسة أراضي الأحباس قبولا واسعا في الأوساط الشعبية ، وفي هذا الإطار جاء في قصيدة طويلة دعوة لشاعر فاس أبي عبد الرحمان الفاسي حول الأحباس لتشجيع ظاهرة المغارسة :
" و اعط أرض حبس مغارسة * و فوق عام دورها المحبسة " (3)
فتنافس الفلاحون و برعوا في العناية بالأراضي الحبسية لاعتبارات مادية و دينية و تزداد العناية بالأراضي السقوية بفعل المردود المشجع و الإنتاجية العالية ،ونسبة الثلث في الغلة كانت حافزا مهما لتكثيف المجهودات و العناية بالأرض أكثر .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) حوالة أحباس المساكين ص 49 ـ 50 أوردته رقية بلمقدم مرجع سابق ص 397.
(2) حوالة أحباس المساكين ص 222أوردته رقية بلمقدم مرجع سابق ص401.
(3) كنون عبد الصمد ، جني زهرة الآس في شرح نظم عمل فاس ، مطبعة الشرق القاهرة مصر بدون تاريخ ص 77 .




و بذلك انتشرت حول مدينة مكناس مثلا أزيد من 400ملكية زراعية حبسية (1) في شكل جنانات ، عراصي متنوعة ثمارها ، غابات زيتون شاسعة و حقول زراعة البقليات و الخضر ... وقد برع الإنسان المغربي عموما في العناية بالأشجار مستفيدا من خبرة الأجداد و من الممارسة اليومية للنشاط الفلاحي .
و قد وفر هذا المجال الأخضر المحيط بالمدينة ، موردا اقتصاديا مهما للمدينة و ساكنتها من حيث تزويدهما بالمؤن و المنتوجات الزراعية من بقليات وخضر و المنتوجات الشجرية من فواكه وثمار ، ووفر كذلك فرص شغل لفئة عريضة من ساكنتها وللمزارعين المقيمين في القرى المجاورة للمدينة .
وبذلك فان أراضي الأحباس و خاصة المسقية منها كانت تساهم في الحفاظ على البيئة و توسيع المجال الأخضر و كذا في التنمية الإجتماعية و تحسين مستوى العيش وتحقيق الرفاهية لشريحة عريضة من المجتمع المغربي( المكناسي نموذجا ) من خلال ريعها المرتفع ، لكون مياه الري كانت ولا زالت، في أحواز مكناس و كل منطقة الدير الغربي لجبال الأطلس ، غزيرة و دائمة الجريان ، مما يفسر تنافس كل الشرائح الإجتماعية من الباشا و القائد الى البناء و الجزار ... على جزاء أراضي الأحباس السقوية .














ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)رقية بلمقدم مرجع سابق ص 406.


5 ـ ماء مكناس بين إدارة الأحباس و الإدارة الإستعمارية:
ظلت مياه مكناس ،كما بيننا في الفصلين الثاني و الثالث ،مؤسسة حبسية، تعمل نظارة الأوقاف على إدارتها ،وتوزيع أشكال ماءها على المرافق العمومية ودور الخواص ،القادرين على جزاءها، إلى غاية توقيع معاهدة الحماية الفرنسية مع المغرب في 30 ماي 1912.
مباشرة بعد تغلغل الاستعمار الفرنسي بجيوشه و أجهزته الإدارية تغيرت الوضعية فضمت إدارة الحماية بمكناس المياه بما فيها ماء وادي بوفكران للأملاك العامة، وبذلك أصبحت مسألة المياه في المدينة موضوع نقاش حاد بين إدارة الأحباس ومن خلفها سكان المدينة والإدارة الإستعمارية المدافعة عن مصالح المعمرين بأحواز مكناس .
سرعان ما تحول النقاش الإداري حول ماء مكناس الى صراع تجلى في البداية في إصدار عدة قرارات و ظهائر تبرر الإستحواد على مياه بوفكران أبرزها إصدار اليوطي(1) قرار 28 أبريل 1914 القاضي بتخلي الأحباس عن إدارة المياه لفائدة البلديات ثم إصدار ظهير فاتح يوليوز (2) من نفس السنة يحدد الفصل الأول منه :"تدخل في عداد الأملاك العمومية الأملاك التالية ...رابعا مجاري المياه مهما كان نوعها مع منابعها..." والفصل السادس يجعل هذه الأملاك العمومية تحت الإدارة المباشرة للمدير العام للأشغال العمومية أي أنها تسحبها من إدارة الأحباس لفائدة إدارة الأشغال العمومية .
إلا أن هذه القرارات لم تحظ بموافقة نظارة الأحباس بمكناس التي تشبثت بحقها التاريخي الكامل في تدبير شؤون ماء وادي بوفكران ، واستمرت الإدارة الإستعمارية في إصدار ترسانة من الظهائر (3) توسع اختصاصاتها في تدبير الماء و تحد من دور الأحباس في هذا المجال .


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) اليوطي:(1854ـ1934) أول مقيم عام لفرنسا بالمغرب سنة1912 له تجربة استعمارية طويلة في الهند الصينية ومدغشقر و الجزائر استقال من منصبه سنة 1925.
(2) الجريدة الرسمية السنة الثانية تاريج 1 يوليوز 1914
(3) من بين الظهائر ظهير 1غشت 1925 المعدل لظهير 2 يوليوز 1915






أصبحت إدارة الأحباس تشترك في الإشراف على هذه المياه مع البلدية داخل المدينة و مع الأشغال العمومية خارجها ، وهذا الوضع الجديد، أي التسيير الثلاثي، لإدارة المياه لم يكن يرض إدارة الأحباس ،التي كانت على مر العصور تستأثر بمفردها بعملية التدبير، من المنبع الى التوزيع داخل المدينة أو حقول الري .
خلال العقد الثاني من القرن العشرين اشتد الصراع بين الإدارة الإستعمارية و الأحباس خاصة بعد ان استفحلت ظاهرة تلوث ماء الوادي بسبب انتشار أراضي المعمرين على ضفافه ، وهم الذين كانوا يتعمدون إدخال مواشيهم بما فيها الخنازير الى المجرى لترد من هذه المياه
و تلوثها "فإنهم يطلقون الخنازير فيه ( الماء ) و يتركونها تخوضه و تلوثه ... " (1)
و في هذا الإطار انعقدت عدة اجتماعات بين الأطراف الثلاث كان أولها بتاريخ 20غشت 1922 ، خصص جدول أعماله لدراسة مصاريف إصلاح قنوات المياه داخل مكناس، و تم الاتفاق على أن المياه أصبحت ملوثة ،و تزويد المدينة بالماء العذب الصالح للشرب أصبح ضرورة ملحة .
ثم اجتمع الطرفان الحبسي و الحكومي في 22 مارس 1924 للتداول في تفويت مياه وادي بوفكران الى الأملاك العامة ، لكن الإجتماع لم يسفر عن نتائج ترض الطرفان : فجوهر الخلاف أن الأحباس تعتبر هذه المياه محبسة منذ زمن بعيد و لها أحقية التحكم في إدارة مواردها ، والإدارة الإستعمارية جعلتها من ضمن الأملاك العامة ( ظهير فاتح يوليوز 1914).
استمر هذا التوتر قائما بين الجانبين الى أن تجلى في انطلاق موجة من الاحتجاجات السلمية لسكان المدينة الذين رفعوا شعارات مثل :"الماء ماؤنا نفديه بأرواحنا " (2) و سرعان ما قامت قوات القمع الفرنسية بالتدخل ضد هذا الشكل الاحتجاجي السلمي في اشتباك دموي مع الأهالي في فاتح و ثاني شتنبر 1937.
وقد صادف يوم الواقعة يوم سوق أسبوعي ليشارك في المواجهة الى جانب سكان المدينة التجار و الفلاحين الوافدين الى السوق ، فكان حافز الدفاع عن ماء الأحباس يطبعه نوع من القدسية و شكل من أشكال الجهاد ضد المستعمر الغاصب .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مراسلة ناظر الأحباس الكبرى الى رئيس البلدية من أرشيف إدارة الأحباس أورد الوثيقة بوشتة بوعسرية في أطروحته حول أحداث بوفكران بمكناس .
(2) بوعسرية بوشتى أحداث بوفكران فاتح وثاني شتنبر 1937 دار المناهل الرباط 1990.







خـلاصـة



نستنتج من نموذج إدارة موارد المياه من طرف أحباس مدينة مكناس مراعاة تطبيق أحكام فقه المياه التي زخرت بها كتب الفقه و النوازل ، و قد فرض واقع التدبير خضوع الجهاز المسير لسلطة إدارية صارمة من أعلى الهرم السياسي في البلاد وهي سلطة السلطان ثم سلطة القاضي و الناظر .
و بالموازات كان الجهاز التقني يعمل تحت إمرة الجهاز الأول وفق ما يخدم مصلحة الحبس و دوام منفعة موارد المياه .
و كلا الجهازين كان يسهر على إدارة مياه الوقف إدارة ترقى الى مستوى الإدارة المتكاملة لموارد المياه وذلك بكونها كانت تقوم على أسس اجتماعية و بيئية و اقتصادية و حقوقية ، وهذا النوع من الإدارة الذي أدارت به الأحباس موارد المياه بمدن العالم الاسلامي (نموذج مكناس ) و دعت إليه منظمات الأمم المتحدة خلال العقود الأخيرة، يحقق حفاظا على سلامة البيئة و تنمية مستدامة لمصادر المياه ، سواء الخاصة للشرب أو الري و توسيعا للمجال الأخضر حول المدن .
عند دخول الاستعمار الى المغرب عمل على ضرب مؤسسة الأحباس و ذلك بتجريدها من اختصاصاتها في مجال إدارة موارد الماء بالمدينة لفائدة جهة أخرى بقوة الحديد والنار ، وهو بذلك يسعى لضرب الجهاز بكامله بإفراغه من مهامه الحضارية ، و يحقق أهدافه الحقيقية التي جاء من أجلها الى المغرب كبقعة من العالم العربي الاسلامي .







الفصل الثالث



اقتصاديات ادارة الوقف المائي
أوقاف الماء في العمران الحضري*
بالمغرب الأقصى
ـ نموذج مدينة مكناس ـ

تمهـيـد
ظل توفير الماء لسكان المدينة من ضروريات المعمار الاسلامي ، ومحدد أساسي للتوطين الحضري ، فكتب التاريخ أفاضت الحديث عن علاقة الماء بتخطيط المدن الإسلامية ، و نموذج تخطيط مدينة فاس و توطينها من طرف المولى ادريس الأزهر،وبناء مدينة مراكش على يد المرابطين و توسيع مدينة مكناس من طرف المولى اسماعيل (2) ، تبرز أهمية ينابيع الماء في عملية تخطيط المدن الاسلامية في الغرب الاسلامي الى جانب اعتبارات أخرى أمنية و غذائية .
و باعتبار أن الماء مادة أساسية في أمور الدين و الدنيا ، فإن تزويد المدن به كان الهاجس الأساسي للحاكم و المحكوم ، و غالبا ما كان المخزن يتكفل ببناء قنوات الربط الكبرى بين المنبع و المدينة ، خلال مرحلة قوة الدولة ، و تتكفل الأحباس بالإصلاح و الترميم والسهر على ضمان استمرارية تزويد المدينة و مختلف المرافق العامة بهذه المادة الحيوية .
وبذلك تتوزع كمية الماء المحبس داخل المدينة على عدة جهات عامة وخاصة أهمها : مساجد ،سقايات ،حمامات ، أضرحة ،زوايا ومدارس و منازل بعض السكان، تمت إدارتها وفق نمط تحكمت فيه عدة اعتبارات تداخل فيها الديني بالشعبي بالسياسي ، لتفرز نمطا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* اعتمدنا هنا مصطلح خلدوني باعتبار أن العمران الحضري عنده هو" تساكن وتنازل في مصر أو حلة للأنس بالعشيرة و اقتضاء الحاجات لما في طباع البشر من التعاون على المعاش "
(2)امتد توسيعها على الهامش الشمالي الغربي لسهل سايس حيث تلتقي شبكة من الأنهار الدائمة الجريان : واد بوفكران ، واد ويسلان ،واد الشجرة وواد سيدي علي الحاج وهذه المميزات الهيدروغرافية تدل عن حصافة في الاختيار .
لإدارة مياه الوقف أقرب الى إدارة منظمات المجتمع المدني الحديثة من جمعيات و منظمات ...،بل أن نمط الإدارة استحضر جوانب مختلفة بيئية و اجتماعية وحقوقية ... ليصبح شكل من أشكال الإدارة المتكاملة لهذا المورد الحي .

1 ـ نمط إدارة موارد المياه الحبسية :
لقد استمدت الأحباس إدارة مواردها من مرجعيات ثلاث : مرجعية فقهية ، مرجعية شعبية ـ عرفية و مرجعية مخزنية .
ـ المرجعية الأولى نظمت طبيعة الوقف و شروطه و أنواعه و التصرف فيه و تدبيره ... مستحضرة النصوص القرآنية و الأحاديث الشريفة و اجتهادات الفقهاء .
ـ المرجعية الثانية لا تتناقض مع الأولى ولكنها تعاملت وتفاعلت مع خصوصيات المجتمعات الإسلامية في الغرب الاسلامي و أضافت مسحة جديدة في إدارة الوقف البيئي ، مثلا في مجال تدبير شؤون الماء ( احداث محكمة الماء في الأندلس ) وفي مجال الأوقاف على الحيوانات ( أوقاف لرعاية طائر اللقلاق و القطط في المغرب ... ) .
ـ المرجعية الثالثة و قد كانت تفرض نفسها بقوة على نظام الأحباس بكامله خلال مرحلة قيام و قوة الدولة ، فيتم تجديد عقود التحبيس وفق مصالح المخزن، بحث فقهاء العصر على إصدار فتاوى في هذا الباب ،و تعيين نظار عامين جدد للأحباس مشهود لهم بالولاء التام للمخزن ممن يتوفرون على ميزات " ... ذوي الأمانة وله في بساطه الكريم تقريبا ومكانة ، ربي نعمته الشريفة و نشأة إحسانه المنيفة ...الأقرب القريب ..." (1)
عموما تداخلت هذه المرجعيات في إدارة موارد المياه الحبسية خلال تاريخ المغرب و وتحكمت الظرفية التاريخية التي تمر منها الدولة في غلبة هذه المرجعية على الأخرى : فخلال مرحلة النشأة و القوة كانت المرجعية الثالثة هي التي تؤطر نمط تدبير شؤون الوقف المائي، نموذج المرحلة الإسماعيلية من تاريخ أوقاف المغرب ، و عند ضعف الدولة و تدهورها تصبح المرجعيتين الأولى والثانية هما أساس تدبير أوقاف الماء ، نموذج اعتداء اليهود على ماء أحباس المسجد الأعظم بمدينة تطوان بعد المرحلة الإسماعيلية .
ان نمط تدبير أحباس مياه مكناس خلال فترة حكم السلطان المولى اسماعيل، تبرز نموذج
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) حوالة الأحباس الكبرى رقم 5 ص 30 أوردته رقية بلمقدم ، أحباس مكناس ،ملحق رقم 4 ص 453.

الحضور المخزني القوي في التأثير المباشر على إدارة موارد المياه الحبسية ، كشكل من أشكال ضبط تدبير هذا المورد الحي و الأساسي في ضبط الاستقرار الإجتماعي في المدينة ، و ذلك عن طريق :
ـ تعيين ناظر عام للأحباس و تمكينه من صلاحيات واسعة .
ـ تجديد تحبيس أعيان على المساكين .
ـ معاوضة بين السلطان وحبس المساكين .
ـ إصدار ظهائر لتجديد تحبيس مياه عين تاكمة .
ـ إصلاح قواديس الربط بين رأس العين و المدينة .
ـ إصلاح شبكة الربط المائي داخل المدينة .
ـ إصلاح السواقي الكبرى (ساقية عين قدح... ).
ـ بناء السقايات ( سقاية الذهب ...)
ـ إصلاح السقايات و ترميمها .
ـ حث خدام المخزن وأتباعه على تنمية أحباس الماء ( أحباس القايد علي بن يشو على سقاية الذهب ...)
وبذلك كان الجهاز المخزني يصر على الحضور القوي في منظومة الأحباس ، وما تعيين ناظر عام للأحباس وتمكينه من سلطات وصلاحيات واسعة إلا تعزيزا لهذا الطرح ، كما أن تكثيف عمليات التحبيس و تجديد أخرى من طرف السلطان و إصلاح بعض مرافقها إلا دعما لتقوية الحضور المخزني في هذا المجال ، وبذلك فهو يراقب عن قرب تدبير موارد مياه الأحباس سواء داخل المدينة ، أي إدارة موارد مياه الشرب ، أو خارجها أي إدارة موارد مياه الري.










1 ـ 1 : علاقة المخزن بإدارة موارد مياه الأحباس الخاصة بالشرب :
تم تقسيم مياه الشرب بمدينة مكناس بين الأحباس و القصر السلطاني و مرافقه، حيث "... ان قدر ماء العين مائة شكل(1) و خمسة وثلاثون شكلا منها لجانب الحبس الثلثان و للجانب العلي بالله الثلث ..." (2) فثلثا مياه الحبس كانت موزعة بين مساجد و سقايات المدينة ، و فيض الماء كان يجزى للسكان ، و الملاحظ من خلال تتبع عملية الجزاء أن فئة خدام المخزن هم الأكثر استفادة من خدمات جزاء ماء الأحباس ، فأسماء الشخصيات الواردة في وثائق جزاء الماء(3) تشير الى الصفة أو المهمة التي يقوم بها المستفيد في الجهاز المخزني و كمية الماء المجزى :
ـ دار القائد العربي أمجاج ...... شكلان .
ـ دار الباشا محمد بن الأشقر ......خمسة أشكال .
ـ دار الأمين دحمان بوسيف ......شكلان .
ـ دار القائد أحمد العرايشي ......شكلان .
ـ دار القائد محمد أحرضان ......شكلان .
فقد كان المنصب المخزني السامي يحقق لصاحبه امتيازات الحصول على الماء بوفرة (جزاء خمسة أشكال مثلا لدار الباشا ) ، كما استفاد أعيان المدينة من خدمة جزاء مياه الأحباس واستفاد أيضا عامة سكان المدينة من وفرة السقايات المنتشرة داخل كل الأحياء السكنية بصبيب مياه غزير ودائم الجريان .
وبذلك تمكنت إدارة أحباس المياه بمكناس من توفير الماء الشروب لكل شرائح المجتمع من قمة الهرم السياسي إلى عامة الشعب .



ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الشكل هو مقياس محلي لقياس المياه الجارية ،يعادل 4 لتر في الدقيقة أي 4ل/د=1شكل× 4 ل/60ث=0,06 ل/ث.
(2) وردت هذه الوثيقة في ملحق الأحباس الكبرى بمكناس رقم 5 ص 146 ـ147 " رسم تحديد عدد أشكال ماء وادي بوفكران وعين تاكمة و توزيعها داخل مدينة مكناس " أوردتها أيضا رقية بلمقدم في أطروحتها أوقاف مكناس في عهد مولاي اسماعيل (1082ـ1139هـ/1672ـ1727م) الجزء الثاني 1413هـ /1993م ص 571.
(3) ملحق الأحباس الكبرى رقم 5 ص 146 ـ 147 رقية بلمقدم مرجع سابق ص 571 ملحق رقم 25 .
1 ـ 2 :علاقة المخزن بإدارة موارد مياه الأحباس الخاصة بالري :
ارتبط تدبير هذه المياه بتدبير أراضي وجنان الأحباس المسقية التي تمت إدارتها عن طريق الجزاء والمغارسة باهتمام المخزن الإسماعيلي بأراضي الأحباس بأحواز مكناس فقد عمل على إصلاحها، وتجديد عقود أجزيتها، وإصلاح سواقيها وشبكة ريها ،نموذج إصلاح ساقية عين الكدح"التي كانت تسقى بها غيب(1) الزيتون وأجنة الحبس الممتدة لناحية باب جمال ..."(2) وبالمقابل استفاد من جزاء هذه الأملاك الحبسية عدد من شخصيات المخرن الإسماعيلي :
ـ القائد الزيتوني الفاسي ...... جزاء فدان المسوس لمدة عشرين سنة .
ـ القائد العربي الغشام ......جزاء طرف من أرض النزيع .
ـ القائد علي بن يشو ...... جزاء طرف من فدان المغطس .
ـ القائد أحمد الباشا لودي ...... جزاء جنان الروضة بتلاجدوت .
ـ القائد عبد الله الروسي ...... جزاء موضع العرائش بتلاجدوت .
ـ القائد يدر بن محمد كدار ...... جزاء موضع المجاز .
وإلى جانب خدام المخزن من أعوان وقواد وباشاوات ، استفادت أيضا من جزاء أراضي الأحباس مختلف شرائح المجتمع المكناسي بمن فيهم التاجر ، الجزار ، العادل والحرفي ...
مما وفر لهؤلاء، وهم من سكان المدينة ، دخلا إضافيا على حساب سكان البوادي الفلاحين الذين كانوا يشتغلون مباشرة في هذه الأراضي مقابل نسب هزيلة لا تتجاوز خمس الغلة في أحسن الأحوال .







ـــــــــــــــــــــــــــــ
(1)غيب جمع غابة
(2)رسم إصلاح ساقية عين الكدح حوالة الأحباس الكبرى رقم 5ص14 رقية بلمقدم مرجع سابق ملحق رقم 30 ص رقم 594 .



2 : المرافق العامة و الخاصة المستفيدة مباشرة من مياه الأحباس:
استفادت مدينة مكناس بكل مرافقها : السكن ، الخدمات ، و الإنتاج الصناعي ( الأرحى ، المعاصر ...) من الربط بماء الأحباس الذي كان يشكل عصب الحياة بها خاصة وأنها توجد على منطقة هضبية ـ هضبة سايس ـ كلسية تنذر بها المياه الجوفية ، وان وجدت فإنها على أعماق بعيدة و المفارقة أن هذا الموقع غير بعيد عن دير جبال الأطلس المتوسط حيث توجد المنابع الغزيرة الجريان .
ويمكن اعتبار هذا عامل الطبيعي عاملا أساسيا في توفير الأحباس للماء بالمدينة منذ زمن بعيد إلى أن تم تجديد هذا التحبيس خلال العهد الإسماعيلي ،وعيا من المحبسين بأهمية الماء في حياة المدينة، لذا تم تحبيس مياه عين تاكمة ووادي بوفكران(1) باعتبار مياههما دائمة الجريان وكافية لتزويد مدينة من حجم مكناسة الزيتون بشكل يغطي حاجيات المساجد والحمامات ومعاصر الزيتون و أرحية الماء ومساكن المدينة ...

2 ـ 1 : المرافق العامة :
يقصد بالمرافق العامة كل المجالات والأماكن التي يرتادها عموم الناس أو تقدم لهم خدمات على اختلاف أشكالها ،سواء بالمقابل أو بالمجان .
لعبت هذه المرافق دورا حيويا في الحياة الإجتماعية داخل المدينة الإسلامية لذا كان تجهيزها يعتبر أمرا ضروريا وملحا تفرضه الواجبات الدينية والدنيوية .
فقد كانت السقايات في الحي والزقاق أساس الحياة ،وكل إنسان مطالب بالنظافة ،والنظافة من الإيمان ،والحمام كان يوفر هذه الخدمة وكل إنسان نظيف مطالب بأداء واجباته الدينية ،والمسجد مفتوح لهذه الغاية .
فقد كانت هذه المرافق العامة تشكل نسقا متكاملا من إنتاج الثقافة الإجتماعية والدينية السائدة في المجتمع الإسلامي .


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) نص ظهير تجديد تحبيس مياه عين تاكمة على المسجد الأعظم من قبل المولى اسماعيل كما وردت في حوالة الأحباس الكبرى رقم 5 ص 297 ، أوردت النص الأستاذة رقية بلمقدم مرجع سابق ملحق 27 صفحة 579 .

2 ـ 1 ـ1 :المساجد:
استفادت مساجد مدينة مكناس ،التي قدر عددها عند مطلع القرن العاشر الهجري الثامن عشر الميلادي ب140 مسجدا ، من مياه الأحباس بشكل دائم كاستفادة "...جامع النجارين أربعة أشكال ...جامع درب الشرفا شكل ...جامع الزرقا شكل وبجامع درب الجنان شكل وبمسجد سيدي احمد بن خضرا شكل والباقي المسجد الأعظم "(1).
إن جزاء ـ إيجار ـ الشكل الواحد من الماء كان يصل إلى خمسين أوقية (2) وإذا إعتبرنا أن متوسط إستهلاك المسجد الواحد من الماء هو شكل واحد فإن متوسط استهلاك المساجد كان يصل الى140 شكل أي ما قيمة ايجاره 7000 أوقية أو ما يعادل 700 مثقال(3) .
فدار الوضوء أو الميضئة هي مرفق ملازم للمسجد توفر الماء الجاري الضروري للمتوضئين المقبلين على الصلاة ، وبعض المساجد الكبرى كالمسجد الأعظم بمكناس ومسجد القرويين بفاس... كانت تتزين بنافورة ماء دائمة الجريان، تتوسط فناء المسجد يعتمد ماؤها أيضا للوضوء .

2 ـ 1 ـ 2 : السقايات :
اهتم بناة المدن الإسلامية الأولى بتزويد المدن بالماء ، فقد شيد الأدارسة و المرابطون و الموحدون سقايات على قارعة الطريق ، و هي سقايات دائمة الجريان عمومية موزعة بشكل دقيق على الأحياء السكنية و أزقة المدينة وفق الحاجيات الديمغرافية ، فلا يخلو حي من سقاية أو أكثر لا زالت آثار بعضها قائمة الى اليوم ، إلا أن ظاهرة بناء السقايات وعلاقتها بالأحباس لم تحظ بالعناية و الدراسة الكافية في مجال الأبحاث التاريخية حتى المونوغرافية منها .
في العهد المريني تميزت السقايات بالإضافة لوفرتها بهندستها الخاصة : " شكل صهاريج صغيرة نسبيا مستطيلة و قليلة العرض وتزيين واجهتها بالفسيفساء الدقيقة فضلا عن زخرفتها ـ ومعها سقفها ـ بالنقش المحفور أحيانا في الجبس و الخشب " (4)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) نفس المرجع ص 572
(2) نفس المرجع ص 406
(3) قانون العملة المغربية خلال الفترة المدروسة تقوم على المعادلة التالية :
1مثقال =10دراهم =10أواقي=40موزونة =960فلس.
(4)محمد المنوني، دور الأوقاف المغربية في التكامل الاجتماعي عبر عصر بني مرين 657هـ ـ 869 هـ الموقع الإلكتروني لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية المغربية .

ان ظاهرة بناء السقايات كانت ظاهرة اجتماعية تسعى لتحقيق النفع العام ،الأمر الذي جعلها تحظى باهتمام رجال السياسة وأعيان المدن ومختلف الشرائح الاجتماعية ،فتوفرت لها أوقاف
مهمة تضمن استمرار تدفق نعمة الماء لفائدة من هم في حاجة إليه ،ولا يتوفرون على تكاليف التزود به أو جزاءه ،علما أن إمكانية إدخال الماء الى دور عامة سكان المدينة كان أمرا غير يسير ،بل كان متيسرا لفئة قليلة في المجتمع تحظى بامتيازات مختلفة .
ان العجز في تغطية ربط دور المدينة بالماء كان يعوضه تشييد السقايات فبمدينة مكناس ،عند مطلع القرن الثامن عشر بلغ عدد السقايات التي تشرف عليها الأحباس سبعين سقاية دون احتساب السقايات التي تتواجد داخل المساجد ،الأضرحة الرياضات والقصور ... وهو رقم له دلالته و معبر عن واقع الشبكة الهيدروغرافية التي كانت تمر بالمدينة .

استفادة بعض السقايات بمدينة مكناس من أوقاف مهمة :
سقاية الجمعة :المعروفة بالسقاية الكبرى أو سقاية سبع عنانيب شيدها المرينيون ومن أحباسها :12,5حانوت وثلاثة أرباع الخمس في حوانيت و نصف دار الصابون و نصف طراز وثلاثة أرباع خمس طراز و ثلاث أرباع فرن و دويرة (1).
و من نوادرأحباس هذه السقاية أنه اذا جاء أحد ليأخذ منها الماء و تكسرت آنيته ، يعوض بآنية أخرى مجانا ، وذلك من وقف حبس على هذه السقاية لهذا الغرض ، و اذا علمنا ان الفئة المكلفة بأخذ الماء من السقاية للمنازل و الأوراش هي أساسا من الخدم و الأطفال ندرك البعد الإنساني لهذا النوع من الأحباس .
سقاية الذهب : شيدها المولى اسماعيل بن الشريف بموقع يعرف بقنطرة باب دردورة بمكناس ، وحظيت بدورها بأحباس : "... حوش بقصبة تيزيمي ،دار بجنان الأمان ... يقبض خراجها ويصرف فيما احتيج اليه من إصلاحها... " (2) وحانوتين " يكون خراجهما صائرا على إصلاح قادوسها المجلوب فيه ماؤها الآتي اليها من صهريج بوعماير ..."(3)
وبذلك فان بعض السقايات كانت تحظى ، كمشروع خيري ، بعناية النخب الاجتماعية و
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) رقية بلمقدم مرجع سابق ص369 ـ 370.
(2)وثيقة تحبيس القايد علي بنيشو اليازغي لدار بجنان الأمان حومة البردعيين على سقاية الذهب في أواسط جمادى الثانية 1727هـ أوردتها رقية بلمقدم ملحق 16ص 525 .
(3) وثيقة تحبيس ناظر الإيالة لحانوتين على سقاية الذهب في أواسط جمادى الثانية1727هـ أوردتها رقية بلمقدم ملحق 16ص 525 .
السياسية من فاعلي الخير ، بتوفير أوقاف تضمن لهذا المشروع استمرارية تدفق الماء في مجال هندسي مزخرف و نظيف ، يضمن وفرة الماء للإنسان و الماشية .

2 ـ 1 ـ3: الحمامات :
كان للحمامات العامة في مدينة مكناس كباقي مدن العالم الإسلامي دور العالم الإسلامي دور اجتماعي رئيسي إلى جانب الجامع ، السوق ،الفرن والسقاية...وهي كلها مرافق تشكل نواة رئيسية لنشأة أي مدينة إسلامية.
والحمامات العامة تتجلى أهميتها في ما تقدمه من خدمات جليلة للمسلم لارتباط الاستحمام بالدين الإسلامي فالطهارة البدنية أساس العبادات في الإسلام وحظيت بمكانة خاصة في فقه العبادات الإسلامية .
حمامات مكناس في أغلبها كانت في يد الأحباس (1)أو تستفيد بالضرورة من مياهها ومنها حمامات قديمة يعود تاريخها إلى العهد الموحدي كالحمام البالي الذي عرف بحمام الكدية أو حمام مولاي عبد الله بن أحمد ومن حمامات أحباس مكناس أيضا : حمام التوتة ، حمام الحرة ، حمام بتربعين ، حمام بريمة وحمام ساباط بن زغبوش ...
تميزت حمامات مكناس بهندستها المعمارية المشابهة لهندسة الحمامات الإسلامية في الشرق
وبعضها كان مزينا بالرخام والفسيفساء .وتدبير شؤونها كان يتم من طرف أشخاص يستأجرونها من ناظر الوقف ، وكتب النوازل غنية بفتاوى فقهية حول جزاء وجلسات حمامات الأحباس نموذج فتوى حول الجلس (2) للعالمين القاضيين محمد بن الحسن المجاصي وعبد الملك بن محمد التجمعتي .




ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مقتطف من ظهير سبقت الإشارة إليه: " يعلم من كتابنا هذا أسماه الله وأعز أمره أنه نظرا إلى أن الأحباس امتازت منذ زمن قديم ببناء الحمامات الأهلية بمدن الايالة ..."
وحرر بالرباط في 13 شوال عام 1354 الموافق 8 يناير 1936.
الجريدة الرسمية ( المغرب ) عدد1216 ، 14 فبراير 1936.
(2) ملحق 8 نص الفتوى رقية بلمقدم مرجع سابق ص 477




2 ـ 2: المرافق الخاصة :
يقصد بالمرافق الخاصة كل الممتلكات الخاصة ، على رأسها المساكن و أحيانا بعض المرافق الإنتاجية كمعاصر الزيتون و أرحى الماء ...
شكل الماء مسألة حياة أو موت لهذه المرافق ، لذا فإن الأحباس كانت عن وعي تلبي حاجيات المجتمع من الماء في إطار منظم ، يضمن استمرارية النفع العام ، وتعمل على توسيع مجاله على أوسع شرائح المجتمع .
شكل جزاء الماء و استثماره تنظيما راقيا لتوفير خدمة الماء الصالح للشرب للمرافق الخاصة وجها مشرقا في تاريخ الحضارة المغربية في العصر الوسيط خاصة و العربية الإسلامية عامة .

2 ـ 2 ـ 1 :جزاء الماء للاستعمال المنزلي :
لقد استفادت الأحباس من مداخيل الماء الذي كانت تتحكم في تدبير شؤونه داخل المدينة عبر الجزاء أو المعاوضة ، و الجزاء كان هو الطريقة الأكثر انتشارا لكونه يوفر منفعة مادية كبيرة و دائمة لقطاع الأحباس .
رغم استفادة دور خدام المخزن من قواد وباشاوات ... فان فئة اجتماعية أخرى قد تمكنت من أن تحصل على نفس الإمتياز شرط قدرتها على دفع قيمة الجزاء، و التي كان متوسطها يصل الى خمسين أوقية للشكل الواحد من الماء سنويا ، وقد عثرنا في وثائق الجزاء على إشارات تؤكد استفادة منازل عناصر مختلفة من المجتمع المكناسي ، معلمين ،تجار وفقهاء ... من حق الربط بالماء الصالح للشرب .
على العموم فان مسألة الحصول على الماء لم تكن تطرح بحدة كبيرة في مدن الغرب الاسلامي خاصة و أن السقايات كانت متوفرة على نطاق واسع داخل الأحياء السكنية ، وأوقافها تضمن استمرارية جريانها و إصلاح قواديسها ، و هي مفتوحة في وجه كل روادها ، بل تغني الفقراء و المعدمين عن ربط دورهم بالماء مباشرة .
الى جانب شبكة الماء الصالح للشرب كانت المدينة تتوفر على شبكة لتصريف مياه الصرف الصحي مضبوطة و مراقبة من طرف فريق من المعلمين القنويين لمنع أي شكل من أشكال تلويث مياه الشرب .





2 ـ 2 ـ 2:جزاء ماء الأحباس لأهل الذمة :
بالإضافة الى جزاء الماء للمسلمين من فئات اجتماعية مختلفة ، فقد عمل المشرفون على تدبير قطاع الماء في الأحباس على جزاءه لعناصر غير مسلمة ، من يهود ونصارى فقد أورد الونشريسي في المعيار نازلة استئجار ماء بئر محبس على مسجد لليهود القاطنين بجواره ، وقد أباح المفتي إبرام عقد الإيجار بشروط حددها الناظر : " ان يكون الماء فيضا يستغني عنه المسجد ،ان يكون القدر الذي يستأجر معلوما قدره مقدرا بالقادوس الفخدي أو القصبي أو غيرهما بحيث لا يزيد ولا ينقص ... وأن يثبت السداد في الثمن الى المدة المستأجر اليها ... ولا يجوز أن يشترط عليهم أنه مهما احتاج الى الرم والإصلاح أصلحوه من أموالهم..." (1)
وورد في حوالة أحباس مكناس عقدة استئجار شكل من الماء من قبل الراهب فرنسيسكو ورديان .
و انطلاقا من هذين النصين نجد أن الأحباس المغربية تعاملت مع أهل الذمة بنوع من المساوات مع باقي السكان المسلمين في مسألة التزود بالماء ،في زمن أسهب خلاله الأوروبيون في "محاولة أظهار المغرب والمغاربة كبلاد تقطنها شعوب متوحشة لا علاقة لها بالحضارة والتحضر، كما أنها حاولت في إطار حملة التعصب الديني التي بلغت أوجها في هذه الفترة أن تظهر الدين الإسلامي كدين مرادف لإراقة الدماء و الاستعباد وكراهية كل ما هو أجني ودخيل "(2).
ان جزاء جزء من ماء الأحباس المتمثل في شكل واحد وهو قدر " فيض سقاية الماء الكائنة بأسفل زقاق الحجامين المقابلة لمسجد الزيتونة..."قصد الاستفادة منه في "... داره الكائنة بقاع وردة ... بحيث ينتفع به بجميع أنواع الانتفاعات ...طوال المدة المذكورة ..."(3) للراهب
المذكور دليل قوي على أن الساهرين على تدبير شؤون الماء في إدارة الأحباس بمغرب القرن الثامن عشر كانوا يتمتعون بروح تسامح عالية في مجتمع مغربي يحمل خصوصيات حضارة
عريقة، في زمن كانت فيه أوربا المسيحية تغلي حقدا ضد المسلمين و تنصب محاكم تفتيشها لتقطع أطرافهم لردهم عن دينهم .
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الونشريسي ، المعيار المعرب ،تحقيق الدكتور محمد حجي ،الجزء السابع ص 52 ـ 53
(2) ادريس بودريس مداخلة "رفع الإلتباس عن وضع الأسرى المسيحيين بمدينة
مكناس أواخر القرن17 وبداية القرن 18" في ندوة الحاضرة الاسماعيلية أكتوبر
منشورات كلية الآداب و العلوم الانسانية مكناس .
(3)حوالة الأحباس رقم 5 ص151 أوردته رقية بلمقدم ص613 .
تم التعامل مع الراهب المذكور من خلال وثيقة مكتوبة تحدد شروط وواجبات الطرفين المتعاقدين ، بل نلمس شروطا تفضيلية منحت لهذا الراهب ، و نسجل بناء عليها الملاحظات التالية :
*ناظر الايالة الموقع على العقد يتوفر على" التفويض التام المطلق العام من الجانب العلي بالله "أي من السلطان بظهائر اطلع عليها العدلين .
*استئجار فيض سقاية الماء الخارج منها وقدره شكل واحد بمقدار50أوقية ، وهي نفس التسعيرة التي كان يستفيد منها باقي السكان .
* حضور " المعلمين العارفين بالمياه و مقادير أثمانها "توقيع العقد بين الأحباس و
الراهب المذكور .
* قيامهما، أي المعلمين ، بمحضر معاينة ميدانية .
* شهادة المعلمين المذكورين أن جزاء الماء للراهب فرانسيس فيه مصلحة الأحباس " ...هذا القدر المستأجر به فيه غبطة كثيرة ومنفعة حاصلة للحبس ..."
* موافقة قاضي الجماعة خطيب حضرة مكناس على عملية الجزاء " ... بعد تأمله ...وافق على ذلك و أمضاه ..." (1).

2 ـ 2 ـ3: جزاء أراضي الأحباس وماء الري للإستعمال الزراعي :
خارج المجال الحضري ، على أطراف المدينة ، حيث تمتد بساتين خضراء توفر الاكتفاء الذاتي لسكان المدينة من المواد الفلاحية : حبوب ، فواكه ، زيوت ، خضر وبقول ...
وعلى هذا المجال الزراعي المحيط بمدينة بمكناس مثلا على شكل حزام أخضر كانت الأحباس تملك منه "أزيد من 400 ملكية مختلفة المساحة "(2) نسبة كبيرة منها تستفيد من مياه الري خاصة الأراضي التي كانت تنتج الخضر والفواكه .إلا أن وثائق الحبس لم توفر لنا معطيات دقيقة حول نسبة أراضي الأحباس من مجموع الأراضي والملكيات الزراعية ولا نسبة الأراضي المسقية منها .
توضح عقود الجزاء أن هذه الأراضي كانت متنوعة ـ سقوية و بورية ـ يستفيد من جزاءها في أغلب الأحيان سكان المدينة على اختلاف مراتبهم الإجتماعية وبذلك ساهم ريع أراضي الأحباس في تحسين دخل سكان المدينة ولو على حساب مداخيل سكان القرى المجاورة .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)نفس المرجع السابق .
(2)رقية بلمقدم أوقاف مكناس ص 406
من أجل حسن تدبير شؤون أراضي الأحباس وغبطتها فإن الناظر كان يفرض على المستأجر شروطا من شأنها الحفاظ على أراضي الأحباس وتطويرها ، فمثلا اشترط مسعود العرايشي ناظر الأحباس المساكين على عبد الله الكناوي المعضادي الذي التزم جزاء فدان الحجر بمزاورو" أن يجري منه ماء ويبنى به رحى"(1) أوان يقوم بغراسته وسقيه والعناية به فقد أجزى "عبد الوهاب العرايشي ناظر أوقاف ألمساكين ...الحاج عبد الرحمان ...جميع الفدان السقي ...ليغرسه بأنواع الأشجار وضروب الثمار ..." (2) .
وإذا أراد الناظر شراء أرض لفائدة الأحباس فإنه يستعين "بأهل المعرفة والنظر والعارفين ببقع الجنات "ويتم التركيز على ضرورة توفر الماء لري الأرض" شراء جميع الجنان الأصل الكائن أسفل العين الكبير...ومن ماء العين المذكورة شربه ..." (3) وذلك لكون أن أراضي الأحباس المسقية كانت تجزى بأثمنة توفر نفعا وغبطة للحبس ،إذا ما قورنت بقيمة جزاء الأراضي البورية .
وبذلك أخذت الأحباس بفعل خبرة نظار أوقافها تطور مواردها عن طريق توسيع أملاكها وتجهيزها وفق شروط تؤهلها لتحقيق نفع أفصل يعود على المجتمع و الحبس بالنفع العام .











ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)رقية بلمقدم أوقاف مكناس ص 401
(2)حوالة الأحباس الكبرى رقم 5 ص 119 رقية بلمقدم ملحق 35 ص 619
(3)نفس المرجع السابق ص222 رقية ص 401




3 ـ استثمار ماء الأحباس داخل المدينة :
بعد توفير الماء الكافي لكافة المرافق العمومية من : مساجد و سقايات و حمامات ... عملت الأحباس على استثمار الفائض من مياهها بشكل يدر على المؤسسة الحبسية دخلا إضافيا يؤهلها ماديا لصيانة وإصلاح قنوات الربط المائي ، وذلك بكرائها أو بيعها أو معاوضتها .

3 ـ 1 : الجزاء :
وردت في وثائق الأحباس مصطلحات مرادفة للجزاء : الاستئجار ، الكراء والجلسة وهذه الأخيرة ارتبطت بالعقارات المبنية كالحوانيت والحمامات ...
وبخصوص جزاء ماء الأحباس بمكناس استخلصنا 10 حالات جزاء من مجموعة من الوثائق الحبسية في الجدول التالي :


المستفيدون من جزاء
ماء الأحباس بمكناس الكمية
المجزية القدر الواجب
دفعه سنويا مدة الجزاء
1 خديم المقام العلي بالله
الخضر بن يزو الدكالي
العبدي تلت فيض خصة
صحن المسجد
الأعظم 60 أوقية 20 سنة ابتداء من أول دي الحجة
1108ه ـ1696م
2 عبد اللام بن الحاج خدو
بن جلون قدر أنملة سبابة
اليد اليمنى من
الوادي الذي
جلبه من حبس
الجامع الأعظم 25 أوقية 20 سنة
محرم
1110ه ـ1698م
3 المعلم العربي بن محمد
سلبيون فيض صهريج
مسجد سيدي
علي أحماموش 20 أوقية 20 سنة
رمضان
1110ه ـ1699م
4 المعلم عبد الواحد الكعوري شكل من ماء
الوادي الذي
بمعدة قبة
السوق 3 مثاقيل 20 سنة
أواسط محرم
1112ه ـ1700م

5 ـ العريف علي
ـ العريف ابراهيم نصف شكل ماء
الوادي الذي
من معدة سوق
الفخارين 25 أوقية 20 سنة
رمضان
1113ه ـ1702م

6 الحاج عبد الوهاب بن
زاكور نصف شكل من
الماء من قبض
سقاية حومة
تبربارين 25 أوقية 20 سنة
ربيع الثاني
1116ه ـ1705م
7 القائد أحمد العرايشي شكلين من الماء 100 أوقية 10 أعوام
1118ه ـ1707م
8 الفقية محمد العباسي نصف شكل من
ماء الوادي 25 أوقية 10 أعوام
شعبان
1128ه ـ1716م
9 النصراني الراهب
فرنسيس ورديان فيض سقاية
الماء بقاع وردة 50أوقية 5 أعوام
رمضان
1125ه ـ1713م
10 القايد عبد القادر بن عبد الرزاق الريفي نصف شكل من ماء الوادي من معدة قبة السوق 25أوقية عشر سنوات
رجب
1135ه ـ1723م




من خلال ملاحظة هذا الجدول الذي قمنا بتجميع معلوماته وبناءها انطلاقا من مجموعة من الوثائق (1) فإننا نسجل مجموعة من الملاحظات:
ـ عملية جزاء مياه الأحباس لم تكن حكرا على فئة دون أخرى فمن خلال الألقاب يتضح أن الجزاء كان في متناول عدة شرائح اجتماعية نفصلها على الشكل التالي:
*خدام المخزن:" خديم المقام العلي بالله" "القائد أحمد العرايشي". "القائد عبد القادر بن عبد الرزاق الريفي".
*الفقهاء:"الفقيه محمد العياشي "
*الرهبان:"النصراني الراهب فرنسيس ورديان "
*شخصيات اجتماعية مختلفة: الجزار و البناء و العدل ...
تجتمع هذه الفئات الأربع في كونها تشكل نخبة من أعيان المدينة القادرة على دفع تكاليف جزاء الماء نقدا .
ـ معدل قيمة جزاء الشكل الواحد من الماء يقدر ب50 أوقية و نصف الشكل ب25 أوقية ،حسب الوثائق التي بين أيدينا .
ـ طريقة الأداء تتم سنويا إلا في حالة اختيارية ،اذا أراد المستفيد أداء مجموع واجب جزاء السنوات مرة واحدة مسبقا حيث " قدر المستأجر الملتزم ...جميع الوجيبة* المذكورة التي قدرها : خمسة وعشرون مثقالا دراهم من الصفة وأحضرها معاينة و قبضها الناظر المذكور وأبرأه منها ..."(2)
ـ اعتماد وحدات مختلفة لقياس جريان الماء المحبس ك:
* " قدر أنملة سبابة اليد اليمنى"
* " فيض خصة "
* " فيض صهريج"
* " فيض سقاية "

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)مقتطفات من عقود الجزاء الواردة قي حوالة الأحباس الكبرى رقم 5 على صفحات التالية بالتوالي : 321 ـ 320 ـ 321 ـ 320 ـ 320 ـ 320 ـ 147 ـ 151 . أوردتها الأستاذة رقية بلمقدم مرجع سابق ص 404 ـ 405 .
* انظر معجم المصطلحات الملحق
(2) حوالة الأحباس رقم 5 ص151 ورد نص العقد في أطروحة رقية بلمقدم ص613.



ـ مدة الجزاء يمكن أن نميز فيها بين مرحلتين:
* مرحلة جزاء ماء الأحباس على المدى الطويل امتدت ، من خلال الجدول، من 1108هـ/1696م الى 1116هـ/1705م على مرحلة بلغت مدة الجزاء خلالها 20 سنة .
* مرحلة جزاء ماء الأحباس على المدى المتوسط امتدت ،دائما حسب المعطيات المتوفرة لدينا ، من1118هـ/1707م الى 1135هـ/1723م تراوحت خلالها مدة الجزاء بين 5سنوات و 10سنوات .
وبذلك فإن عملية جزاء الماء كانت تتم بشفافية كبيرة من حيث جعل إمكانية الجزاء في متناول الجميع ،و ذلك بجعل قيمة الجزاء موحدة بين كل المستفيدين ، وتوفير تسهيلات في طريقة الأداء ، اعتماد أسلوب اختياري في تحديد وحدة قياس الجريان و مدة الجزاء ، حسب الإمكانيات المادية .




















3 ـ 1ـ 1 :شروط جزاء ماء الأحباس:

ان جزاء ماء الأحباس ،من خلال الوثائق التي بين أيدينا ،بمكناس خلال مطلع القرن الثامن
عشر ،كان يتم وفق مجموعة من الشروط التي يشترطها المستأجر على نفسه ويزكيها ناظر الأحباس ،وتختلف هذه الشروط حسب نوعية استغلال الماء :الاستعمال المنزلي والسقي .
من خلال عقد جزاء أشكال من ماء الوادي(1) لفائدة "الفقيه الجليل " "ربي النعم المولوي خديم سيدنا نصره الله الفقيه العلامة "(2) سيدي محمد العياشي ،نسجل بعض شروط مستأجر ماء الأحباس :
ـ تحديد الكمية المراد جزاءها من طرف المستفيد "جزاء نصف شكل من ماء الواد" (3) .
ـ تحديد طبيعة الماء ومصدر ربطه "...أن يكون مشربه من المعدة التي منها مشرب دار أحرضان وغيرها ..."(4)
ـ تحديد المدة الزمنية المراد جزاء ماء الأحباس خلالها"...مدة عشرة أعوام..."(5)
ـ تحديد المبلغ النقدي الواجب دفعه سنويا لفائدة الأحباس "...بوجيبة قدرها خمسة وعشرون أوقية..."(6)
فهي أربع شروط واضحة ودقيقة يطالب ويلتزم بها المستأجر لماء الأحباس ، وبعد دراستها من طرف " أرباب البصر و أهل المعرفة والنظر " (7)تتم الموافقة على طلب الإيجار ، وقد
تضاف شروط جديدة أكثر تفصيلا كتذكير المستأجر بأن الأداء يجب أن يكون سنويا خلال سنوات الجزاء "لكل عام من حساب ما قوم به الماء " (8).
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) حوالة الأحباس الكبرى رقم 5 ص 148،150 أوردتها رقية بلمقدم ص 565 ،566،567 .
(2) تبرز الألقاب التي وردت في الوثيقة في حق الفقيه محمد العياشي المكانة الاجتماعية والدينية والسياسية التي كان يحظى بها في الحاضرة الإسماعيلية .
(3) حوالة الأحباس نفس الوثيقة السابقة.
(4) حوالة الأحباس نفس الوثيقة السابقة.
(5) حوالة الأحباس نفس الوثيقة السابقة.
(6) حوالة الأحباس نفس الوثيقة السابقة.
(7)يقصد بهذه الفئة ناظر الأحباس و القنويين الخبراء في تقويم كمية الماء و القيمة .
(8) حوالة الأحباس نفس الوثيقة السابقة.
3 ـ 1 ـ 2:تغيير شروط عقدة جزاء ماء الأحباس:
تميزت عملية جزاء ماء الأحباس للإستعمال المنزلي بالكثير من المرونة ، فالفقيه محمد العياشي مثلا تمكن من أن يزيد من كمية الماء التي تزود الأحباس بها داره ثلاث مرات :
في المرة الأولى استفاد من نصف شكل ماء خلال شهر شعبان 1128هـ/1716م.(2)
في المرة الثانية زاد نصف شكل ثاني في صفر 1132هـ/1720م.(3)
في المرة الثالثة زاد شكلا واحدا جديدا في محرم1135هـ/1723م.(4)
وبذلك تمكن منزل الفقيه المذكور من أن يستفيد من شكلين من ماء الأحباس خلال ثلاث مراحل ، إلا ان الملاحظ هو أن الزيادة في حجم الماء كان مشروطا من جهة الأحباس بتوفرها على فائض في الماء " لما جمع ماء الوادي المجلوب في القادوس القديم وفي القادوس المحدث من ناحية حمام الحرة وجعل جميعه بمعدة واحدة ...وحدث في الماء زيادة أشكال متعددة بإعانة القادوس الجديد للقديم في جلب الماء وتعين التصرف في تلك الزيادة و الإنتفاع بها لجانب الحبس ".(5)

3 ـ 1 ـ 3 :مراحل جزاء ماء الأحباس :
كانت عملية جزاء ماء الأحباس تمر بأربع مراحل أساسية :
ـ المرحلة الأولى :يعبر خلالها المستأجر عن رغبته للناظر في جزاء جزء من ماء الأحباس يجدد فيها الكمية المراد جزاءها ومدة الجزاء ووجيبته أي المبلغ النقدي المطلوب دفعه .
ـ المرحلة الثانية : بعد تلقيه طلبات الناس يقوم الناظر بعرضها على قاضي الجماعة ومن حق الناظر أن يملي شروطه على صاحب الجزاء .
ـ المرحلة الثالثة :بأمر من قاضي الجماعة يقوم أرباب البصر وأهل المعرفة والنظر بمعاينة الملك المجزي وإجراء بحث دقيق باعتبارهم أصحاب الاختصاص ويتأكدوا من أن جزاء فيض ماء الأحباس فيه غبط ومنفعة للحبس ويقدمون بذلك محضر إشهاد ومعينة للقاضي .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(2)حوالة الأحباس الكبرى رقم 5 ص 148،150 أوردتها رقية بلمقدم ص 565 .
(3)نفس المرجع السابق ص566.
(4)نفس المرجع السابق ص567.
(5)نفس المرجع السابق ص566
ـ المرحلة الرابعة :على ضوء المحاضر السابقة يأمر القاضي بإتمام إجراءات عقد الجزاء أو العكس ولا يعتبر العقد نهائيا إلا بعد اطلاع القاضي على صيغة نص عقد الجزاء النهائية والموافقة عليه .

3 ـ 1 ـ 4:جزاء ماء الأحباس بين قيمة الجزاء و كمية الماء:
على الرغم من اختلاف جزاء الماء من "فيض سقاية " و " فيض خصة " و " فيض صهريج" عن جزاء ماء مأخوذ من معدة وادي الماء الصالح للشرب ، فان تسعيرة الجزاء لا تختلف كثيرا : فمعدل جزاء شكل واحد من الماء سواء كان من فيض سقاية "...جزاء نصف شكل من الماء من فيض سقاية تيبربارين..."أو مقدار نصف شكل من ماء مأخوذ من "... ماء الوادي الذي بمعدة قبة السوق ..." يقدر ب25أوقية سنويا ( انظر الجدول السابق ).
اعتمد المعلمين القنويين " العارفين بالمياه ومقادير أثمانها " عدة آليات لضبط كمية الماء ، بالإضافة للشكل كوحدة قياس محلية، لقياس المياه الجارية معايير أخرى ك:
ـ " قدر أنملة سبابة اليد اليمنى من ماء " (1)، و اذا اعتبرنا أن ضغط الماء كان عاديا غير قوي بفعل أن مدينة مكناس توجد في منطقة سهلية في مستوى وادي بوفكران تقريبا ، فان الماء الذي سيتسرب عبر أنبوب سعته قدر سبابة اليد ، لن يكون أكثر من 4ل/د و هو ما يعادل الشكل الواحد من الماء .
ـ " فيض خصة " بخصوص فيض خصة المسجد الأعظم فإن الزائر الى يومنا هذا لهذا المسجد يعلم جيدا أن ثلث فيض هذه الخصة هو كمية وافرة من الماء لذا فإن جزاءها ارتفع الى 60 أوقية .
ـ " فيض سقاية " ارتبطت قيمة جزاء فيض السقاية من الماء بكمية أشكال الماء الجاري بها فسقاية زقاق الحجامين كانت تستفيد من شكل واحد و فيضها استأجره الراهب فرانسيس ب 50أوقية وهي قيمة جزاء الشكل الواحد من الماء .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وهي وحدة قياس اعتمدها القنويون المغاربة بمدينة مكناس خلال القرن 17 و للإشارة فان في فرنسا الى يومنا هذا لا زال يعتمد في علم الترصيص la plomberie على le pouce أي الأصبع لقياس سعة قنوات الماء المنزلية .




3 ـ 2 ـ المعاوضة :
اعتمدت إدارة أحباس المياه وسيلة المعاوضة إلى جانب الجزاء لما توفره للحبس من غبطة ومنفعة وفي هذا الإطار عثرنا على وثيقة لتحبيسات أبي مدين السوسي " أن قضى الله بوفاته وأدبرت الدنيا من حياته ، فيعطي من كتبه لخزانة الجامع الأعظم من محروسة مكناسة ما يساوي مائة مثقال وخمسين مثقالا دراهم صحيحة سكة تاريخه و يعطى له أيضا أي الجامع مائة مثقال واحدة دراهم من الصفة يقتطع منها ما للحبس في ذمته من جزاء ماء الوادي الذي بداره و الباقي يصير في إصلاح قادوس المسجد المذكور..." (1)
فقد حبس العلامة أبو مدين السوسي المنبهي من كتبه ما قيمته مائة وخمسين مثقالا على خزانة الجامع الكبير وحبس أيضا مائة مثقال على الجامع المذكور شرط أن يقتطع من هذا الحبس أي مائة مثقال جزاء الماء الذي هو في ملك الأحباس ،الذي بداره :ويقتطع منه أيضا تكاليف إصلاح قادوس الجامع وبذلك فقد عمل المحبس على معاوضة جزء من حبسه بماء الأحباس وذلك من خلال شرط حدده في وثيقة التحبيس عند قوله :"مائة مثقال ...يقتطع منها ما للحبس في ذمته من جزاء ماء ..."
كما ورد ذكر المعاوضة في وثيقة لعقد أجزية الماء، بعد إصلاح القادوس " ... حدث في الماء زيادة أشكال متعددة ...وتعين التصرف في تلك الزيادة و الانتفاع بها لجانب الحبس حضر ... سيدي محمد العرايشي و التزم جزاء شكل واحد من الماء المزيد بالمعدة المذكورة التزاما تاما لمضي عشرة أعوام من تاريخه على أن يأخذ من معدة الماء الكائنة بروى القائد أحمد العرايشي التي بها شرب دار أحرضان المذكورة يمنته ويزيده بمشرب الشكلين اللذين له بالمعدة المذكورة أحدهما بالالتزام يمنته و الثني بمعاوضة حسبما بيده و يكمل له بذلك ثلاثة أشكال بوجيبة قدرها لهذا الشكل الملتزم خمسون أوقية عن كل سنة ..." (2)
فذكر المعاوضة في هذه الوثيقة يتضمن نوعا من الغموض في الصياغة تمثل في عدم ذكر نوع المعاوضة و طبيعتها والمقابل لمعاوضة شكل من الماء : فالشكل الأول من الماء كان مجزيا منذ عشرة أعوم و الثاني وجيبة جزائه خمسون أوقية و الشكل الثالث لم يذكر مقابله وعدم ذكره لم يسقط سهوا خاصة اذا علمنا أن كتاب هذه الوثائق كانوا محترفين و يتحرون التدقيق في التفاصيل .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)حوالة أحباس المساكين رقم 3 ص 148 أوردتها رقية بلمقدم كملحق رقم 14 ،ص 517 .
(2) حوالة الأحباس الكبرى رقم 5 ص 148ـ150 المرجع السابق ص 565



و المعاوضة في مجال أحباس المياه محدودة جدا، سوى ما يتم العثور عليه موزعا في وثائق التحبيس من إشارات كما هو الشأن بالنسبة لوثيقة أبي مدين الذي جعل موضوع المعاوضة بين كتبه و ماء داره و ان كانت عملية المعاوضة هذه لم تمنع العلامة المذكور من تحبيس جزء من ماله لإصلاح القادوس الذي يجلب الماء الى المسجد أو معاوضة محمد العرايشي على الرغم من غموض طبيعة المعاوضة .
و بالتالي فان أسلوب المعاوضة هو وسيلة لتنمية الوقف انطلاقا من تحقيق المنفعة المتبادلة للواقف و الأوقاف وان كانت غبطة الوقف أكبر لكون منفعتها أكثر شمولية و تعم شريحة اجتماعية واسعة فمثلا إصلاح القادوس الذي يجلب الماء للمسجد هو عمل حبسي يقدم خدمة لكل رواد المسجد .






















3 ـ 3ـ البيع :
عملت الأحباس على استثمار الماء استثمارا يدر دخلا يوفر إمكانية استمرارية و تحسين الخدمات المرتبطة بقطاع الماء عن طريق الجزاء و المعاوضة وفق ما يوفر غبطة و منفعة للحبس .
وردت إشارة وحيدة في إحدى الوثائق الحبسية التي تعاملنا معها تشير الى : "... أن هذا الماء المزيد لتلك المعدة هو لجانب الحبس خاصة ، ولا حق فيه لمن فوقه ولا لمن تحت معدة قبة السوق ، لعدم دخولهم عليه عند عقد الجزاء أو الشراء ..." (1)
هذا النص ، وان كان يشير الى إمكانية بيع ماء الأحباس فإنه لا يعطي تفاصيل واضحة حول مجموعة من التساؤلات:
ـ هل تم بيع ماء الأحباس ؟
ـ ما هي قيمة بيع الشكل الواحد من الماء؟.
ـ نوعية الماء المعروض للبيع ، هل هو من أصل المعدة أم من فيض سقاية أو خصة ؟.
ـ ما هي المكانة الاجتماعية للمشتري؟ .
و رغم ذلك فأننا لم نعثر على وثيقة حبسية في حوالات أحباس مكناس أو نازلة أو فتوى تطرح مسألة بيع الماء المحبس على المرافق العامة بشكل صريح وواضح ، اللهم إذا استثنينا الأراضي الحبسية التي تستفيد من مياه الري ، وفي هذه الحالة ، المقصود بالبيع الأرض وليس الماء .
وعموما فان مسألة بيع ماء الأحباس بيعا نهائيا كانت مستبعدة ، بناء على تفاصيل النقاش الفقهي القوي الذي كان قائما حول مسألة بيع الملك الحبسي انطلاقا من حديث شريف بأن الحبس لا يباع ولا يوهب ولا يورث و إنما ينتفع بثمره .







ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) حوالة الأحباس الكبرى رقم 5 ص 150 أوردتها رقية بلمقدم ص 575 ملحق 26.


4 ـ الموارد المالية :
من خلال استثمار الموارد المائية المحبسة على مساجد بمدينة مكناس فإن قطاع الأحباس قد تمكن من أن يتوفر على مداخيل مالية مهمة، ويحقق تراكم مالي ،أو ما عرف في وثائق الأحباس ب "الأوفار" ،استفادت منها مؤسسات الأحباس المختلفة بالمدينة ،ورممت بها سواقي وقواديس الربط بالماء .
فإلى جانب جزاء الأراضي الفلاحية ،وجلسات الحوانيت والحمامات، فإن قطاع الماء من القطاعات الأكثر دخلا و مردودية في مجال الأحباس بمدينة مكناس ، خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر خاصة إبان فترة الحكم الإسماعيلية، إلا أن الوثائق الحبسية خلال هذه الفترة رغم دقتها فإنها لا توفر للباحث إحصائيات واضحة في مجال المداخيل العامة للأحباس و مداخيل الماء خاصة .
فقد كانت مياه عين تاكمة التي حبس ماؤها على المسجد الأعظم بالمدينة يقدر صبيبها الواصل إلى المجال الحضري بمائة وخمسة وثلاثين شكلا للحبس منها الثلثين ـ والثلث للقصر السلطاني ومرافقه ـ أي ما قدره تسعين شكلا ،وإذا علمنا أن الشكل الواحد كان يجزى بخمسين أوقية ، فإن مداخيل أحباس هذا المسجد كانت تصل من الماء وحده إلى أربعة آلاف وخمس مائة أوقية أي ما قيمته أربع مائة وخمسين مثقالا سنويا .وهي مداخيل مالية مهمة لأحباس المسجد ، كان يصرف جزء مهم منها في تأهيل خدمة الماء وذلك بترميم وإصلاح القواديس والسواقي والقناطر ، ويصرف فائضها أيضا لفائدة أحباس المساجد الصغرى من أجل تنميتها .
وإذا قارننا قيمة جزاء الشكل الواحد من الماء بواقع الأسعار خاصة أسعار القمح كمادة أساسية في النظام الغذائي المغربي خلال السنوات العجاف ، نعرف أهمية هذه الموارد المالية فقد "حل بفاس واستمر الجفاف والغلاء بسبب تأخر الأمطار سنة 1090ه /1680م وبلغ القمح 40 أوقية
والمد من نحو صاع ونصف "(1).
وإذا كانت أسعار سنوات الجفاف لا يقاس عليها عموما، فإنها مع ذلك تعطينا فكرة للمقارنة بين واقع جزاء الماء وحقيقة أسعار القمح خلال هذه السنة بالذات ،علما أن المصادر التاريخية ينذر فيها ذكر أسعار المواد الغذائية .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)الضعيف محمد الرباطي ، تاريخ الضعيف ، تحقيق محمد العماري ، دار المأثورات ص 161.

ويتجلى من خلال المقارنة أن أسعار جزاء الماء والتي تقدر ب50أوقية للشكل الواحد في السنة كانت متواضعة عموما ، وهذه الموارد المائية على بساطة أسعارها كانت توفر للأحباس "أوفارا " مهمة ومداخيل تغطي وتتجاوز حاجياتها لتستفيد منها قطاعات اجتماعية في أمس الحاجة للدعم المالي .
و عملت الأحباس أيضا على إعادة توظيف هذه الأوفار باقتناء محلات تجارية ( دكاكين وأسواق و قيساريات بكاملها ...) و أوراش صناعية (معاصر الزيتون ،معامل الصابون ، كوش جير ، محلات دباغة ...) فأصبحت تتحكم في تأمين جانب كبير من الحاجيات اليومية و الضرورية للسكان ، و بذلك فقد ساهم توظيف عائدات ماء الأحباس في تنمية الحركة الاقتصادية بالمدينة و أحوازها .
فالموارد المالية لأوقاف المياه شكلت أيضا موردا مهما بشكل غير مباشر للمخزن ، وذلك عن طريق توفير الدعم المالي من حين لآخر للبيت المال ، على الرغم من الاعتقاد السائد ان الأحباس مستقلة ولا صلة لها بالجهاز الرسمي الحاكم ،فان العلاقة بين الطرفين ،كما بيننا في الفصل الثاني، وطيدة خاصة و أن المخزن الإسماعيلي أعاد تنظيم الجهاز الإداري المشرف على الأحباس بشكل يسمح له بالمراقبة الدقيقة "...فوقف أمله على من هو عنصره من ذوي الأمانة و له في بساطه الكريم تقريبا و مكانة ، ربي نعمته الشريفة ، ونشأة إحسانه المنيفة الكيس اللبيب الأقرب القريب ... فقلده النظر العام المطلق الشامل التام فيه وفي سائر أوقافه ... " (1).
و بذلك فان المخزن في فترات قوة الدولة المركزية، كانت له صلة مباشرة بقطاع الأحباس عن طريق تشديد مهمة الإشراف الإداري و القضائي ، وهؤلاء الإداريين المعينين مهمتهم الأساسية تتبع مداخيل و مراقبة موارد الأحباس و الإشراف على صرفها .
كان الصرف من أوفار الأحباس يتم على الكثير من مرافق الدولة لتنمية مواردها و استقرارها لأن في قوة الدولة قوة لقطاع الوقف فبالإضافة لتوفير الماء و إدارة موارده و إصلاحه كانت توفر مرتبات للأئمة والمدرسين ومنحا للطلبة بل وتساهم في الجهاد ، عموما فقد كان حضور الأحباس قويا في كل مناحي الحياة اليومية ، مما أعطاها قوة في مجالات الحياة الاجتماعية و الاقتصادية و السياسية .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) حوالة الأحباس الكبرى رقم5 ص 28 ـ 31 رقية بلمقدم مرجع سابق ملحق 4 ( تعيين ناظر عام للأحباس ) ص 453.






خلاصة



أدارت الأحباس موارد مياه مكناس وفق نمط تكاملت فيه عناصر الإدارة الهادفة لخدمة المصلحة العامة للسكان و مصلحة قطاع الأحباس و ذلك في إطار مراقبة السلطة المركزية بشكل لا يتعارض مع مبدإ استقلالية الحبس .
فقد تمت إدارة مصادر المياه على أسس اقتصادية اجتماعية :
على المستوى الاقتصادي تم استثمار قطاع الماء داخل المدينة على أسس تحقق غبطة للحبس
وذلك من خلال آليات الجزاء و المعاوضة و البيع مما حقق للحبس موارد مالية هامة ، وظفت بشكل سليم مما حقق استدامة جريان ماء الأحباس .
على المستوى الاجتماعي تم توفير الماء على نطاق واسع استفادت منه كافة الشرائح الاجتماعية و الطوائف الدينية بأثمنة تغطي الكلفة ولا يتحكم فيها منطق الربح الرأسمالي،بل تستحضر بقوة مبادئ الدين الاسلامي .
و قد ساهمت هذه الإدارة الرصينة لموارد الماء في تحقيق غبطة للحبس و استدامة المنفعة لمختلف مرافق المدينة الخاصة و العامة و بالتالي لجمهور سكانها على اختلاف انتماءاتهم الاجتماعية و الدينية ، مما يعكس البعد الحضاري الراقي لإدارة الأحباس لموارد المياه .



























خــــاتــــــمـة










لقد أسفرت الدراسة في تحليل شامل لأوضاع تدبير الأوقاف لمصادر المياه بمدينة مكناس خلال أواخر القرن 11 هـ ومطلع القرن 12 هـ ( ق 17م ـ 18م )وهي أول محاولة في هذا القبيل حسبما نعلم .
وقد بدأ التمهيد لها من خلال الفصل الأول "علاقة الوقف بالمياه ومصادرها هي منظور فقهي تاريخي " وهو فصل يطغى عليه الطابع النظري حيث أبرزنا خلاله الاختلاف القائم بين المذاهب في تقديم مفهوم اصطلاحي للوقف واستنتجنا الأسس المرجعية المتحكمة في ظهور الوقف المائي في الاسلام وأهدافه ، تم عرضنا خصائص ملكية الماء في الإسلام كحق يضمنه الشرع وعملنا على تحليلها من خلال ثلاث أطروحات فقهية متباينة لنخلص إلى شرعية وقف الماء من خلال تتبعنا لمراحل تطور فقه وقف المياه وصيغة تناولها في فتاوي ونوازل المالكية بالغرب الاسلامي .
والملاحظ أن الإرث الفقهي في مجال وقف المياه ساهم بشكل مباشر خلال العهد الإسماعيلي في توفير أرضية صلبة اعتمدها المخزن للتدخل وإصدار ترسانة في الظهائر لتعزيز وتقوية مؤسسة الأحباس.
وقد تناول الفصل الثاني"علاقة الوقف بإدارة المياه من منظور مؤسس وظيفي "انطلاقا من نموذج إدارة الأحباس فمن الناحية الشرعية حاول الارتقاء بتنظيم الأحباس من مستوى النوازل و الفتاوى العملية إلى مستوى قوانين و ظهائر سلطانية قابلة للتنفيذ .
على مستوى أجهزة تدبير شؤون الأحباس فقد نظمت بشكل لم يسبق له مثيل فبالإضافة للحضور السلطاني و عنايته بقطاع الأحباس و الإشراف القضائي على هذا الجهاز تم إحداث منصب جديد هو منصب ناظر عام لأحباس الإيالة ، ومقره بمدينة مكناس العاصمة ، وأسند هذا المنصب لرجل عرف بولائه و إخلاصه التام للمخزن الإسماعيلي و منحت له سلطات واسعة .
و قوة قطاع أحباس المياه بمدينة مكناس التي كانت تقوم على تنظيم إداري محكم كانت مستمدة أيضا من إشراف تقني دقيق يسهر بشكل دائم على الحفاظ على المياه من التبذير و التسربات مما كان يوفر فائضا في هذه المادة الحيوية التي استفاد منها المجال الأخضر البيئي المحيط بالمدينة .
فدقة التنظيم الإداري والتقني ، والمؤهلات البشرية العالية ، و الصرامة في التنفيذ ،و السهر على المصلحة العامة ،و على غبطة الأحباس،كانت وراء نجاح مشروع تدبير مصادر المياه بمكناس .
و ارتباطا بخلاصات الفصلين الأول و الثاني ، فإن الفصل الثالث أجاب عن تساؤلات الأسس الاقتصادية لإدارة موارد المياه بمدينة مكناس وذلك من خلال الكشف عن نمط إدارة موارد المياه الحبسية وعلاقة المخزن بإدارة هذه الموارد ، وتوزيعها على المرافق العامة و الخاصة، و بذلك جعلت الأحباس المياه في متناول كافة سكان المدينة بدون استثناء ، كما كشف هذا الفصل عن آليات استثمار الماء و جعله يدر موارد مالية لفائدة الأحباس عبر الجزاء و المعاوضة و البيع و إعادة استثمارها بشكل يخدم المصلحة العامة .
ان ما نسجله انطلاقا من خلاصات الفصول الثلاث للبحث هو أن ثرات الوقف في مجال إدارة المياه و المحافظة على البيئة ظل نسبيا و محدودا إذا ما قورن بوقفيات أخرى في مجالات متعددة : بناء المساجد وعمارتها ، إنشاء المدارس و المكتبات ، الرعاية الصحية ، دعم الجهاد وتوفير خدمات اجتماعية ...

و بناء عليه فإن دارس وثائق أحباس و قضايا المياه في كتب التاريخ و النوازل و في غيرها من المصادر ( على قلتها ) يتولد لديه اقتناع بأن الماء عبر تاريخ المغرب و الأندلس بل و في باقي العالم العربي الاسلامي ، لعب الى جانب الدين و العصبية دورا كبيرا في تفسير معطيات و أحداث كبرى في التاريخ و خلافا لدور العصبية الذي تقلص منذ ظهور دول الشرفاء ( السعديين و العلويين ) بالمغرب فإن دور الماء ظل قائما الى يومنا هذا وستزداد أهميته في تفسير الأحداث في المستقبل
ولا ننفي أن هناك صلة وثيقة بين كل المجالات الوقفية وان اختلفت نسبة ترابطها مادامت تستجيب لحاجيات فئات عريضة من المجتمع ، و تساهم في تنمية المدن و المجال البيئي
المحيط بها ، و بذلك تزرع قيما راقية متجدرة في الدين الاسلامي، مثل التكافل الاجتماعي، التراحم ، الإحسان ، الإحسان ، الزكاة و الصدقات ...و هي قيم عريقة في حضارتنا الإسلامية و تعتبر هذه الركائز رهان بناء مجتمع مدني سليم.
في نفس الوقت نجد نخبنا السياسية و الجمعوية و الثقافية أيضا تلهث وراء المؤسسات الغربية (1) و هذه الأخيرة تضخ أموالا هائلة و ميزانيات خاصة ، ليس حبا في سواد عيوننا، ولكن لتكريس التبعية و تقويتها و خلخلة الإرتباط بالمرجعية الإسلامية و الهوية الثقافية المحلية .
إن التحدي المطروح على هذه النخب يكمن في قدرتها على بناء مفهوم جديد للمجتمع المدني مستلهم من ثقافتنا و حضارتنا و يتماشى و الهوية الاسلامية ، وهو رهان ليس بيسير يتطلب تحقيقه تكامل جهود أطراف مختلفة ، خاصة و أن المفهوم الحالي للمجتمع المدني يستمد مرجعيته من الثقافة الغربية و يعتبر كل ما يتماشى من ثرات الحضارات الأخرى مع نظرتها هو تقدم وكل ما هو غير موجود عندها أو يناقضها هو تخلف و رجعية .
إن باب الرهان هنا مفتوح على إحياء نظام الوقف ،بكل أشكاله ،باعتباره شكل من أشكال مؤسسات و صيغ المجتمع المدني ،التي تهدف لتحقيق التنمية المستدامة ، و جعله يتماشى مع المتطلبات المعاصرة و يستجيب للحاجيات و يعالج مشكلات الواقع في مجتمعاتنا العربية الإسلامية .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أصبحت المؤسسات الفرانكفونية و الأنكلفونية أو الإسبانفونية ... تسعى بكل الوسائل لتوسيع مجال انتشارها الجغرافي في عالم دول الجنوب .

ومشكل الماء و البيئة أصبح يستفحل و تتزايد خطورته مما يفرض ضرورة البحث عن آليات لإحياء نظام الوقف المائي و تطويره وفق المتغيرات الراهنة ، بعد ما عرف فترة من الركود عملت خلالها السلطات الاستعمارية على التخطيط لضرب كل ما هو صالح ونافع لإعادة بناء الذات في الدول الإسلامية ، و رغم ذلك فإننا نقدم في مجال بحثنا هذا مجموعة من الاقتراحات لتجاوز الوضعية الراهنة لقطاع أوقاف الماء استنتجنا أغلبها من دراسة حالة تدبير الأوقاف لمياه مدينة مكناس الإسماعيلية :
ـ تمكين الأحباس حاليا من إدارة المياه الموقوفة في بعض المدن الاسلامية التي كانت تملكها قبل المرحلة الاستعمارية(مكناس نموذجا) أو ما نسميه بالمياه الموقوفة المسترجعة (1) .
ـ تأهيل العنصر البشري للإشراف على أوقاف الماء ،و تحري عنصر الكفاءة عوض الولاءات .
ـ إعادة تنظيم الأحباس و تعيين ناظر خاص لتدبير شؤون الماء .
ـ إعادة النظر في القوانين التي مازالت منذ عهد الاستعمار تنظم قطاع الماء و إخضاعها لأسس فقهية تتماشى وروح العصر .
ـ البحث عن آليات جديدة ، لتمويل قطاع الماء و البيئة، انطلاقا من فكرة الوقف، منها على سبيل المثال لا الحصر: تخصيص نسبة مئوية من ريع الثروات الطبيعية لهذا القطاع ...
ـ دعم البحث العلمي في مجال أوقاف الماء و البيئة و الري .
ـ مساهمة قطاع الأحباس في دعم التنقيب عن الفرشاة المائية الباطنية ،و تشييد السدود ،و بناء شبكات نقل المياه سواء للشرب أو الري .
ـ اعتماد أسلوب الزجر و العقاب لكل من ثبت ضده التلاعب بأملاك الأحباس .
ـ خلق قنوات فضائية إسلامية متخصصة في مجال قطاع الأحباس لإحياء فكرة الوقف و الحث على البذل و العطاء .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) استعمل مصطلح "المسترجعة" بالنسبة للأراضي التي كانت في يد المعمرين و استرجعتها الدولة بعد الاستقلال .





وبناء عليه فإننا نخلص الى أن الإسلام صقل سلوكيات وأخلاقيات الفرد المسلم من خلال إرساءه لقواعد ثابتة ودعامات رصينة، بُني عليها فقه الوقف للتعامل بين جميع أشكال الحاجيات الجماعية التي تتعلق ابتداءً بالفرد و الجماعة وانتهاءً بكل مظاهر الحياة.. فهناك الوقف بين العبد وربه، وآخر بينه وبين نفسه، وثالث بينه وأسرته وعائلته ثم مجتمعه والناس أجمعين. و نحن كمسلمين في أمس الحاجة في تاريخنا المعاصر لإحياء هذه الأخلاقيات و إعادة ترسيخها في مجتمعاتنا بناء على دراسات علمية رصينة في تخصصات مختلفة حتى يتسنى لها مسايرة العصر و متغيراته و اقتراحاتنا السابقة تأتي في هذا الإطار .
ولعل من بين مجموعة القيم التي يتميز بها الدين الإسلامي و نحن في أمس الحاجة لإحيائها قيمة التكافل الاجتماعي (الزكاة ، الصدقة ، الوقف ...) لما فيها من سلوكيات سامية تقوم على مجاهدة النفس ونكران الذات و الإحساس بمعانات الآخر فمثلا نجد كثيراً من أشكال الوقف ـ خاصة المائي و البيئي ـ ترسم سُبل التعامل مع كافة المخلوقات حيوانية كانت أو نباتية، وبذلك فقد سبق الإسلام قبل مئات السنين عددا من دعاة الحفاظ على البيئة الغربيين ممن نادوا بهذه الأفكار .
و هذه الأخلاقيات والقيم السامية الحاضرة في ثراتنا ،هي القيمة الغائبة في الحضارة المادية الغربية القائمة على المعرفة التكنولوجية و التقدم العلمي و الصناعي و بالتالي فهي كما يقول الدكتور رشدي فكار(1) حضارة يمكن أن تباع أو تشترى .
في حين أن قيم الحضارة العربية الاسلامية لا زالت الى يومنا هذا صعبة الفهم و الاستيعاب على كل من تناولها بالدرس و التدقيق من المستشرقين لكونهم يحاولون دراستها انطلاقا من مرجعيتهم الفكرية الغربية المبنية على الأسس المادية .





ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) رشدي فكار مفكر اسلامي من مواليد قرية الكرنك بصعيد مصر سنة 1928م ، حفظ القرآن في كتاب القرية حصل على دكتوراه من باريس ، استاذ بجامعة محمد الخامس بالرباط المغرب، رشح لجائزة نوبل ،عالم لغوي وشرعي،تُوُفِّي في 5 غشت 2000م بالمغرب إثر أزمة قلبية مفاجئة.



ملحق مصطلحات وقفية
مغربية

1. ـ أسريفي :هو الشخص الذي ينتدبه ملاكي المياه للسهر على تنظيم جريانها و أوقاتها مقابل حصوله على نصيب متفق عليه من الماء يقتطعه من كل خروبة لسقي أرضه .
2. ـ الأوفار : تراكم المداخيل المالية من جراء استثمار مداخيل ممتلكات الأحباس .
3. ـ التنفيذة : حق انتفاع بجزء من مداخيل ملك حبسي معين للقائم بوظيفة السهر على هذا الملك .
4. ـ الجراية : منحة نقدية كان يتقاضاها الطلبة من مداخيل أحباس المسجد أو المدرسة التي يدرسون بها، وصل قدرها في الجامع الكبير بتطوان مطلع القرن التاسع عشر الى ثلاث ريالات حسنية لكل طالب علاوة عن الخبز وتبرعات المحسنين ، وارتفعت قيمتها مع تقدم الزمن .
5. ـ الجزاء : استئجار وكراء أملاك الأحباس .
6. ـ الجلسة : بين الفقيه المكناسي أبو مدين مفهومها الشرعي : " أنها عقد كراء وجيبة مدة من أعوام تنقضي بانقضاءها : و ترتبط غالبا بكراء العقارات المبنية كالحوانيت و الحمامات ...
7. ـ الخبراء : هم العارفين بمصلحة الأحباس و أملاكها في مجال تخصصهم .
8. ـ الخروبة : وحدة لقياس الماء في الواحات المغربية و الجزائرية و هي عبارة عن إناء من النحاس مثقوب في الوسط يوضع في إناء آخر مملوء بالماء و يمتلئ في مدة تستغرق 45 دقيقة ، وبناء على هذا التوقيت كانت تقسم ملكية الماء .
9. ـ زيت سلاقة : مادة لزجة مستخلصة من الزيتون استعملت من طرف المعلمين القنويين في لحم و ربط قواديس ماء الأحباس في المدن خلال القرون السالفة .
10. ـ الزينة : استغلال ملك حبسي و إدخال إصلاحات عليه خلال مرحلة الاستغلال .
11. ـ السوكوندو : نظام دقيق لتدبير ماء الأحباس بمدينة تطوان المغربية خلال القرن التاسع عشر ، و الظاهر أنها كلمة اسبانية وفدت على المدينة مع أفواج المورسكيين الوافدين على المدينة منذ القرن السادس عشر .
12. ـ المساقات : شكل من أشكال استغلال أشجار الأحباس المثمرة ، برعايتها وسقيها وخدمتها و تقليمها ، مقابل جزء من الغلة التي تثمرها هذه الأشجار، قد يصل الى النصف ، حسب العقدة المبرمة مع ناظر الأحباس . وجاء في مجلة الأحكام الشرعية على مذهب أحمد أن: ( المساقاة دفع شجر مغروس معلوم ذي ثمر مأكول لمن يعمل عليه بجزء شائع معلوم من ثمره) .
13. ـ الشكل : وحدة محلية لقياس كمية وصبيب مياه الأحباس بمدينة مكناس و يعادل الشكل الواحد من الماء ما قدره صبيب 4لتر في الدقيقة .
14. ـ الغبطة : تمكين الأحباس من النعمة و المنفعة .
15. ـ المغارسة : شكل من أشكال استغلال أراضي الأحباس ، يتكلف مزارع وفق عقد مع ناظر الأحباس بغراسة أشجار مثمرة متفق عليها في أرض الأحباس ، وخدمتها و رعايتها الى أن تصبح قادرة على الإثمار، على ان يكون للغارس حظ في ملكية غرسه ، يصل الى الثلث .
16. ـ النوازل الحبسية : الوقائع و المسائل المستجدة في مجال الأحباس ، التي تنزل بالعالم الفقيه ، فيستخرج لها حكما شرعيا .
17. ـ الوقف : لغة هو الحبس . وفي الاصطلاح الفقهي هو ( تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة) .
18. ـ الوجيبة : الواجب النقدي المطلوب دفعه للأحباس كقيمة جزاء شكل الماء أو قطعة أرضية زراعية مثلا .










المراجع المعتمدة
1. القرآن الكريم
2. الإمام مسلم ، صحيح مسلم تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي ، بيروت دار الكتب العربية 1955 الجزء 3
3. الإمام البخاري ،صحيح البخاري
4. سنن أبي داود
5. سنن ابن ماجة.
6. ظهير 1غشت 1925 المعدل لظهير 2 يوليوز 1915
7. ظهير 13 شوال عام 1354 الموافق 8 يناير 1936.القاضي بإبقاء الأحباس على امتيازها في بناء الحمامات الأهلية بالمدن ...
8. ظهير تجديد تحبيس مياه عين تاكمة على المسجد الأعظم من قبل المولى اسماعيل .
9. الجريدة الرسمية السنة الثانية تاريج 1 يوليوز 1914
10. إبن منظور، لسان العرب.
11. الفيروزأبادي ، القاموس المحيط.
12. الامام النووي ، تهذيب الأسماء و اللغات
13. ابن عبد البر ، الكافي.
14. الامام النووي ، تحرير ألفاظ التنبيه .
15. قاسم القونوي، أنيس الفقهاء.
16. ابن قدامة (548هـ 620هـ ) المغني
17. ابن قدامة (548هـ 620هـ ) العمدة
18. ابن قدامة (548هـ 620هـ ) المقنع .
19. مجلة الهداية الاسلامية الجزء الرابع المجلد التاسع شوال 1355
20. مجلة أمل عدد24السنة الثامنة 2001.
21. مجلة كلية الآداب و العلوم الانسانية بفاس عدد خاص 2 دراسات في تاريخ المغرب سنة1985.
22. الزيلعي، نصب الراية الأحاديث الهداية، دار المأمون، ط1،ج3.
23. التوفيق أحمد : المجتمع المغربي في القرن التاسع عشر : انولتان 1830 ـ 1912 منشورات كلية الآداب سلسلة رسائل وأطروحات رقم 1 جامعة محمد الخامس الرباط الطبعة الثانية 1983 ،.
24. المختار الهراس في كتابه القبيلة و السلطة تطور البنيات الاجتماعية في شمال المغرب
25. أ بو عبد الله محمد بن إسحاق بن العباس المكي الفاكهي: أخبار مكة للفاكهي ج 3 .
26. فواز بن علي الدهاس، الوقف مكانته و أهميته الحضارية نص المشاركة في ندوة مكانة الوقف وأثره في الدعوة و التنمية .
27. محمد الكبيسي ، أحكام الوقف في الشريعة الاسلامية بغداد 1397هـ
28. ابراهيم محمد المزيني ، الوقف وأثره في تشييد بنية الحضارة الاسلامية ، مساهمة الكاتب في "ندوة المكتبات الوقفية في المملكة العربية السعودية " المنعقدة في رحاب مكتبة الملك عبد العزيز بالمدينة المنورة 25ـ27 محرم1420هـ .
29. مصطفى الدحمان فكيك ومشاكل التنمية الاقتصادية ، بحث لنيل الجازة في الجغرافية جامعة محمد بن عبد الله فاس
30. مسألة الأرض والماء بفاصك ، بحث لنيل الإجازة في الجغرافيا السنة الجامعية 2006 – 2005.. ، كلية الآداب والعلوم الإنسانية.أكادير، المغرب.
31. ناصر بن سعد الرشيد ، تسخير البحث العلمي في خدمة الأوقاف وتطويرها ، مساهمة في ندوة اهمية الوقف في التعليم وخدمة البحث العلمي
32. محمد بن عبد الوهاب في رسالته الواردة في روضة الأفهام لإبن غنام الجزء 1
33. محمد بونبات حقوق الماء في المغرب.
34. ذ. محمد لمراني علوي. قضايا الماء في بلاد المغرب الأقصى من خلال كتب النوزال الفقهية.
35. عبد الدائم الكحيل دورة الماء بين العلم والإيمان
36. أحمد بن يحيى الونشريسي :المعيار المعرب والجامع المغرب عن فتاوي علماء افريقية والأندلس والمغرب أخرجه جماعة من الفقهاء باشراف الدكتور محمد حجي نشر وزارة الأوقاف و الشؤون الاسلامية دار الغرب الاسلامي ، بيروت 1401/1981.
37. منذر قحف، الوقف الاسلامي :تطوره ادارته تنميته
38. عبد الرحمان ابن خلدون المقدمة .
39. الناصري احمد السلاوي ، الاستقصا في أخبار المغرب الأقصى ، الجزء الرابع ، البيضاء 1954،1956 .
40. رقية بلمقدم أوقاف مكناس في عهد مولاي اسماعيل (1082ـ1139هـ/1672ـ1727م)مطبعة وزارة الأوقاف و الشؤون الاسلامية المغرب الجزء الثاني 1413هـ /1993م.
41. عبد الرحمان بن زيدان إتحاف أعلام الناس بجمال أخبار حاضرة مكناس الطبعة الأولى 1929 الرباط الجزء الأول.
42. محمد الأمين البزاز تاريخ الأوبئة والمجاعات بالمغرب في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية الرباط سلسلة رسائل وأطروحات رقم 18
43. هاني عبد الله بن محمد الجبير "الإشراف القضائي على النظار" ، ورقة علمية مقدمة لندوة الوقف و القضاء، وزارة الشئون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد ،السعودية
44. الموقع الالكتروني لوزارة الأوقاف و الشؤون الإسلامية بالمغرب
45. محمد العربي الهلالي ، المسجد الأعظم بتطوان موقع الكتروني بريد تطوان .

46. الدكتور عودة الجيوسي المدير الإقليمي للإتحاد الدولي لمنظمة غرب ووسط آسيا وشمال إفريقيا مقال حول "الوقف البيئي ودوره في بناء المجتمع المدني "
47. كنون عبد الصمد ، جني زهرة الآس في شرح نظم عمل فاس ، مطبعة الشرق القاهرة مصر بدون تاريخ .
48. بوعسرية بوشتى أحداث بوفكران فاتح وثاني شتنبر 1937 دار المناهل الرباط 1990.
49. محمد المنوني، دور الأوقاف المغربية في التكامل الاجتماعي عبر عصر بني مرين 657هـ ـ 869هـ الموقع الإلكتروني لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية المغربية .
50. ادريس بودريس مداخلة "رفع الإلتباس عن وضع الأسرى المسيحيين بمدينة مكناس أواخر القرن17 وبداية القرن 18" في ندوة الحاضرة الإسماعيلية أكتوبر 1986 منشورات كلية الآداب و العلوم الانسانية مكناس .
51. الضعيف محمد الرباطي ، تاريخ الضعيف ، تحقيق محمد العماري ، دار المأثورات.
52. عبد المجيد القدوري ، ابن ابي محلي الفقيه الثائر و رحلة الاصليت الخريت منشورات عكاظ الرباط 1991.
53. سيـمون الـحايك، محكـمة المـياه فـي بلنـسية، ندوة إسهامات العرب في علم المياه والري، الكويت، 1988.




















محتويات البحث


المحتويات الصفحة
ـ المقدمة .
ـ الفصل الأول : "علاقة الوقف بالمياه و مصادرها من منظور فقهي تاريخي"
المبحث الأول: المفهوم اللغوي و الاصطلاحي للوقف.
المبحث الثاني : أهداف و أقسام الوقف المائي
المبحث الثالث : مرجعية الوقف المائي في الاسلام .
المبحث الرابع :ملكية الماء في الاسلام.
المبحث الخامس :المراحل الكبرى لتطور فقه الوقف.

ـ الفصل الثاني : " علاقة الوقف بإدارة المياه من منظور مؤسسي ـ وظيفي"
المبحث الأول : التدبير الإداري لمياه الأحباس .
المبحث الثاني : التدبير التقني لمياه الأحباس .
المبحث الثالث : ادارة مياه الوقف ... ادارة متكاملة .
المبحث الرابع:ادارة مياه الوقف...الحفاظ على البيئة والتنمية المستدامة.
المبحث الخامس : ماء مكناس بين ادارة الأحباس و الادارة الاستعمار
ـ الفصل الثالث : يتمحور حول "اقتصاديات ادارة الوقف المائي"
المبحث الأول : نمط إدارة موارد المياه الحبسية .
المبحث الثاني : المرافق العامة و الخاصة المستفيدة من مياه الأحباس.
المبحث الثالث : استثمار ماء الأحباس داخل المدينة .
المبحث الرابع :الموارد المالية لمصادر المياه بمكناس. ـ خاتمــــة .
ـ ملحق لأهم المصطلحات الوقفية الواردة في البحث .
ـ المراجع المعتمدة.
ـ محتويات البحث.



​ 0 | ​0 | Partager
Commenter

Plus d'informationsN'oublie pas que les propos injurieux, racistes, etc. sont interdits par les conditions générales d'utilisation de Skyrock et que tu peux être identifié par ton adresse internet (54.234.67.55) si quelqu'un porte plainte.

Connecte-toi

ou poster avec :

#Posté le lundi 18 janvier 2010 16:41

زرهون في ذاكرةالتاريخ (بوعسل نموذجا ) دراسة تاريخية سوسيوـ اقتصادية للمجتمع البوعسلاوي ما قبل الرأسمالي





زرهون
في ذاكرةالتاريخ
(بوعسل نموذجا )
دراسة تاريخية سوسيوـ اقتصادية
للمجتمع البوعسلاوي ما قبل الرأسمالي







إهداء




إلى كل الطيور المهاجرة زمن الهجر والهجرة
إلى تلك السواعد الخشنة الهائمة نحو المجهول...
...التي اختارت هذا الجبل ملجأ...
...لتصنع من أرضه المعطاء " زمن الخير" رغيفا للجائعين
...التي نسجت شهادا تستمد دفأها من بساطة ذلك الإنسان و كدحه .
إلى كل الذين يتذوقون حلاوة العسل زمن المرارة إلى روح أولائك الذين زرعو لنأكل...
أهدي ثمرة هذا الجهد المتواضع.



عبد الله بن إدريس بن محمد الداودي







لقد أسهمت البادية بشكل فعال في صنع أحداث تاريخ المغرب عبر كل مراحله ،وذلك لكون جل سكانه كانوا يستقرون في البوادي ،إلا أن الإخباريين و حتى المؤرخين النبهاء منهم اهتموا بالمدن وبالشخصيات الحاكمة والبارزة على الساحة السياسية و الثقافية و الدينية ...
و أمام هذه المفارقة تم الاتجاه في العقود الأخيرة نحو الاهتمام بتاريخ القبائل و المدن باعتبارها وحدات أو أجزاء من الكل (الوطن)، و جمع تاريخ هذه الأجزاء يسهل عملية نسج وكتابة تاريخ وطني.و كل الدراسات المونوغرافية التي تم نشر بعضها , ولازال العدد الكبير منها حبيس رفوف الكليات , تحصر مكان بحثها إلى أدنى ما يمكن أن تتناوله دراسة تاريخية .
دراستنا للمجتمع البوعسلاوي أمام هذه المونوغرافيات تبدو ميكروسكوبية باعتبار مجال دراستها المتمثل في حيز جغرافي جد محدود و قد تعمدنا ذلك حتى نتخلص من التعميمات التي تسقط فيها الدراسات التاريخية الشاملة, ونضبط التفاصيل الي تحدد معالم الحياة الاجتماعية ، ونحن بعملنا هذا نكون قد قمنا بواجب تجاه هذه الأرض الطيبة لنسجل أحداث حياة سلفها لخلفها،ولا اعتبر هذا العمل سوى مرحلة أولى أو خطوة للمرور الى موضوع اشمل وأوسع حول كل بادية زرهون , وقد حاولت تجميع المادة الأولية لهذا الموضوع وأنا على يقين أنني سأشقى مع موضوع كهذا نظرا لكون جل الوثائق الخاصة تعتبر دفينة ، ويخاف عليها أصحابها من النور .
إن مجتمعا يعتمد أساسا على الذاكرة ،مثل المجتمع البوعسلاوي، حيث تغيب أو تنذر الوثيقة المكتوبة، يصادف فيها الباحث عدة مصاعب للوصول الى مبتغاه فيضطر ـ وهو ما حاولت أن أفعله ـ للحفر في شفرات موروثات الذاكرة الهرمة . ورغم العيوب التي تؤخذ على هذه الطريقة فان ما يجدر تسجيله هو أن هذه الذاكرة غنية جدا في مجتمع يعتمد أساسا عليها في تسجيل أحداثه. وقد لاحظت أن حياة اجتماعية بكل خصائصها سيكون مآلها الضياع والنسيان , بفعل التحولات السريعة التي أحدثتها طبيعة العلاقات الرأسمالية التي تغلغلت ولا زالت في صلب المجتمع القروي ,خلال العقود الأولى من الاستقلال كنتيجة لاحقة لتراكمات حصلت في ميادين مختلفة خلال مرحلة الحماية . وفي السنوات الأخيرة لاحظنا غياب عادات و ظهور علاقات جديدة مختلفة عن الأولى
من الحالات التي اعتمدناها كمصدر للرواية الشفوية وتعاملنا معها :
عبدا لقادر بن علال المعروف بتاوريرت :توفي رحمه الله سنة 1989 م عن سن تجاوز المائة سنة وظل الى آخر أيامه يقضا سليم الحواس وقد افادنا كثيرا فيما يخص الصراعات التي عرفتها المنطقة .
زهرة بنت المهدي:توفيت رحمة الله عليها سنة1982م عن سن يناهز 130سنة ظلت في كامل قواها البدنية , بفعل حركيتها الدائمة الى غاية وفاتها , وقد كانت محبة للخير سباقة للقيام به و مساعدة المحتاجين .من خلال حكاياتها الناذرة يتضح أنها عاصرت حكم المولى الحسن الأول .
إدريس بن محمد بن علال: من مواليد مطلع القرن العشرين كان مولعا بحكايات وأخبار الأولين .
خديجة بنت بوحوت أعراب : أفادتنا كثيرا فيما يتعلق بظروف عيش المرأة البوعسلاوية خلال الفترة المدروسة .
الى جانب الرواية الشفوية التي أعطت لهذا البحث نكهة وخصوصية لما تحمله من نوادر عن حياة الإنسان البوعسلاوي وعن استقراره ببوعسل، اطلعنا على مصادر مختلفة من مخطوطات محلية ودراسات مونوغرافية مختلفة وكتابات اثنوغرافية استعمارية ، وجل هذه المصادر والمراجع تزخر بها خزانتنا المتواضعة التي جمعناها بعد مدة طويلة ، ولازلنا على الطريق ، وقد أفادتنا هذه الخزانة إفادة كبيرة حيث وفرت عنا شقاء التنقل ، وان كان جمعها قد كلفنا تكاليف مادية باهظة .



الباب الأول
زرهون الغربية
في الزمان و المكان


الفصل الأول :
أخبارزرهون
الغربية إلى القرن
التاسع عشر



إن الحديث عن تاريخ موقع بوعسل القديم يجرنا الى البحث في نتف و إشارات اركيولوجية وإخبارية عن بادية زرهون الغربية و قد استعنا في هذا المجال بمجموعة مراجع تخص التاريخ القديم وأبحاث خاصة ومعاينة في المنطقة المحيطة ببوعسل ,و قد وفرت لنا هذه الطريقة تجميع مادة مهمة من قطع نقدية وأشكال برونزية سيرد ذكرها فيما بعد.
الحديث عن موقع بوعسل يجرنا الى البحث في مجال أوسع هو بادية وليلي خلال الفترة الرومانية :فقد بدأت الحفريات منذ 1915م في موقع وليلي ولازالت مسترسلة الى الآن ,و تعود أقدم الآثار بها الى القرن الثالث قبل الميلاد(1) و قد دلت هذه الأبحاث أن المدينة تتحكم في مجال واسع قدر "فريزول" مساحته بحوالي 150 كلم مربع وحدده بمثلث يبدأ من فج زكوطة , بلاد الكعدة ثم طوكولوسيدا .
اثبت " لوكي" في أبحاثه اللاحقة أن هذا المجال أكثر اتساعا فهو يتعدى المثلث المذكور بكثير فهو حسب "لوكي"يمتد من باب تيسرى قرب سيدي قاسم الى طوكولوسيدا ,(من وادي الردم). ومن وادي الردم الى السفوح الشرقية المطلة على المدينة حتى وادي بني مرعاز .وهذا المجال يأخذ بدوره شكل مثلث تمتد على هوامشه معسكران ومراكز للحراسة ومن المراكز القريبة من بوعسل مركز طوكولوسيدا وهو مركز أثري مهم وواسع إلا أن الحفريات لم تبدأ فيه بشكل جدي.
أخذ المجال الزراعي يكتسح الموقع لدرجة أن أحد المزارعين وهو يمتلك أرضا تحاذي الموقع أمدنا بقطع نقدية رومانية ضاع بعضها للأسف كما أمدنا بقطعة نحاسية الظاهر أنها كانت تزخرف أداة ما؟ وهي تأخذ الشكل التالي:





ولسوء الحظ توفي صاحبنا المزارع المنقب في ريعان شبابه فضاع بضياعه أمل الحصول على قطع جديدة كما يوجد جنوب بوعسل موقع أخر يعرف بقصيبة النصراني وهو موقع حصين وصغير قد لا تتعدى مساحته ألفي متر مربع محاط بأجراف من ثلاث جوانب ,لازال سوره الخارجي واضح للمتأمل في المنطقة.وقد كشفت عملية المسح الأثري الني قامت بها بعثة فرنسية-مغربية ما بين 1982-1985 عن





(1) مصطفى أوعشي : حدود موريطانيا الطنجية في عهد الإحتلال الروماني مجلة تاريخ المغرب العدد الثالث السنة الثالثة يونيو 3198 الصفحة 72.

وجود أزيد من مائتي مركز منها حوالي 176 ضيعة فلاحية (1) و من الضياع الفلاحية التي ظلت بعض آثارها بارزة نسبيا يمكن أن أذكر موقعين قريبين من بوعسل ، الأول قريب من عين بوعسل ، والراجح أن هذا الموقع كان يستفيد من مياه العين وقد عاينت فيه أسوار بارزة على مستوى سطح الأرض من صخور
غريبة عن المنطقة في نوعها وشكلها. والنقطة الثانية توجد في أعلى التلة بالمكان العروف بفدان لودايا وهذه النقطة بدورها كانت بها أحجار وأسوار اندثرت مع الاستغلال الفلاحي ،وقد عثر أحد المزارعين بالمنطقة المذكورة على قطعة نقدية رومانية الأصل واضحة المعالم أطلعنا عليها .
الغالب أن بوادي زرهون القديمة كانت قبل دخول الإسلام الى المغرب الأقصى (دار مجوس ونصارى) كما ورد عند ابن غازي(2)، وتحكي الروايات أن هذه القرى امتنعت عن تقديم البيعة للمولى إدريس الأول بزعامة (هون) وظل الصراع بين الطرفين اٍلى أن تمكنت الجيوش الخاضعة للقيادة الاٍدريسية من دفع (هون) الى تقديم البيعة وزيارة إدريس في مقر حكمه فقيل زار ـ هون ولأهمية الحدث تردد المصطلح كثيرا فأطلقت على المنطقة بكاملها بعد حذف ألفها لسهولة نطقها .
خلال الفترة الإسلامية تحدثت المصادر المرابطية والموحدية ـ خاصة صاحب الروض الهتون ـ عن وجود تجمعات سكانية متفرقة حول مكناسة الزيتون (التي كانت قبل الفتح الإسلامي دار مجوس ونصارى)و يقصد بهم المؤلف الرومان( وحاضرتنا إذاك وليلي بأرض خيبر من ناحية جبل زرهون) .
مدينة مكناس في حد ذاتها فلم تكن سوى مجموعة من الحوائر المتفرقة و هي تاورا ، بنو عطوش ، بنوبرنوس ، بنو شلوش ، بنو زياد ،بنو موسى ،قصر تزركين ، السوق القديم ، ورزيغة ،بنو مروان ،بنوغفجوم ،بنو غفجوم وقرية الأندلس.(3)ومن غير المستبعد أن تكون بعض هذه التجمعات ترتبط بجبل زرهون .
لا زالت اٍحدى المواقع على أعلى قمة الجبل تعرف ب (السوق القديم ) قرب محطة الإذاعة الحالية ومن خلال تحديد موقع السوق القديم حسب اٍبن غازي فاٍنه بأرض مرتفعة ويسمى سوق الغبار ويضيف أن مسجده وصومعته ظلا قائمين الى فترة تأليف الروض الهتون(النصف الثاني من القرن التاسع الهجري ) ولم يبق حاليا بموقع السوق القديم رسم ولا أثر ، وذلك لما تعرض له من نكبات على يد الموحدين بمساعدة قبائل زرهون الطامعة في التحلل من المغارم .
يروي اٍبن غازي حادثة هجوم الموحدين على السوق القديم : وكان أهل الحصن وأهل الحوائر يجتمعون الى تلك السوق ـ سوق الغبار ـ يوم كل أحد، فبينما هم يوم أحد قد اجتمعوا وكملوا بالسوق المذكور وهي بأرض مرتفعة اٍذ أشرفوا على خيل مقبلة إليهم في زي المرابطين :اللثم و الغفائر القرمزية والمهاميز التاشفينية والسيوف المحلاة والعمائم ذوات الذؤابات ،فلما رأى القوم هذا الزي قالوا : تقوية السلطان جاءتنا وسارعوا للقائهم فرحين بهم و هبطوا عن آخرهم ، فلما خرجوا عن منع الحصن و السوق



ـــــــــــــــــــــــــ
(1)علي واحدي علاقة وليلي بباديتها في العهد الروماني ـ ضمن أعمال ندوة الحاضرة الاسماعيلي مكناس 1988 ص160
(2)ابن غازي الروض الهتون في أخبار مكناسة الزيتون المطبعة الملكية الرباط 1964 ص6
(3) المنوني محمد مدائن مكناسة القديمة من العصر الادريسي الى أواخر عصر الموحدين
ضمن أعمال ندوة الحاضرة الاسماعيلية 1988 ص 179. .





حصر الفرسان اللثم ونادوا : أبابا يا المهدي وكان ذلك شعارهم و أحالوا السيوف عليهم ولم ينج واحد منهم فيما ذكر وكانوا آلافا رحمهم الله .مازال الناس لهذا العهد يتحدثون أن المقابر التي عند باب مسجد السوق القديم هي مقابر شهداء،فلعلهم هم والله تعالى أعلم وكان الموحدون حينئذ يسمون الناس المجسمين ويقاتلونهم قتال كفر ،وكان الناس يسمونهم خوارج.
لم تزل الغارات تشن عليهم فيقتل الرجال ويسبى النساء والذرية وتستباح الأموال، والتضييق يتوالى والمكائد تدبر والحيل تدار حتى ضاق ذرع الناس بكثرة الوقائع عليهم.) (1) .
عرفت شعاب جبل زرهون تعميرا منذ ما قبل الفتح الإسلامي وخلال فترات متلاحقة من تاريخ المغرب أسهمت زرهون بأبنائها في الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية ففي العهد السعدي بايعت العامة بفاس أحد أبناء مدشر الخنادق وهو عبد الرحمان لخنادقي الزرهوني ( 2 ) و في القرن الثامن عشر تمكن بوجيدة العماري ( 3 ) وهو المنحدر من قلعة بني عمار بجبل زرهون من التحكم في تجارة القمح بمدينة فاس و احتكارها .
عند بداية القرن العشرين أنجبت شعاب جبل زرهون ثائر دوخ المخزن ،و أقلق النظام مدة سبع سنين وهو الجيلالي الزرهوني المنحدر من مدشر أولاد يوسف .كما أنجب هذا الجبل رجالا ساهموا في ثقافة هذا البلد بحيث أن عائلات كثيرة نزلت الى فاس خلال حقب مختلفة من التاريخ وظلت زرهون تابعة إداريا واقتصاديا للعاصمة ، فقد ذكر الوزان في كتابه " وصف إفريقيا" أن الزراهنة كانوا مولعين بصيد الأسود و تقديمها لملوك فاس .
قد ظل جبل زرهون، نظرا للقدسية التي يحملهاـ بفعل احتضانه لضريح مولاي إدريس الأكبر ـ ملجأ لعناصر مختلفة من المغرب ، فقد كانت هذه البقعة معروفة في كل أنحاء المغرب الأقصى بفعل الصدى الذي يتركه الموسم السنوي المقام هناك ،فاختلط النسيج البشري لمدينة زرهون وبعض المداشر ، في حين احتفظ بعضها بصفاء عرقي الى عهد قريب ، ويعتبر هؤلاء أنفسهم السكان الأصليين لهذا الجبل ، ويتميزون بخصائص فسيولوجية وفونولوجية تميزهم عن باقي العناصر البشرية الأخرى .
أما بالنسبة لموقع بوعسل فالظاهر أنه كان معمرا منذ القديم فقد عاينا وجود مقابر عتيقة جدا في موقع لم يسبق للسكان الحاليين أن اتخذوه مقبرة : فقرب عين الفلوسي ، عند الطريق الرئيسية التي تخترق بوعسل ، تم العثور على مقابر دون مستوى سطح الأرض بحوالي مترين و نصف و الظاهر أن هذه المقابر ـ بفعل موقعها في منطقة منخفضة ـ تراكمت عليها إرسابات خلال السنوات المطيرة في حين أن مقابر الموقع الثاني الموجود شرق الموقع الأول على منطقة مرتفعة ، ساهمت عجلات السيارات و الشاحنات في كشفها وتعريتها بسهولة .
تروي الروايات الشفوية وبعض الوثائق المرتبطة بالأملاك أن القوم الذين سكنوا بوعسل القديم كانوا يعرفون بالفلالسة ، غير أننا لم نتمكن من ضبط تاريخ نزولهم ولا تاريخ وطريقة نهايتهم ، وقد تكون تحدى الأوبئة الطاحنة وراء انقراضهم ، غير أنهم عاشوا خلال فترة الحكم الاسماعيلي ، حيث تؤكد وثيقة بيع ما تذهب اليه الرواية الشفوية(أملاك الملاك الفلوسي دارا ...جميع الجنان الكائن ...بالفلوس ) كما في وثائق حبسية لمكناس في العهد الاسماعيلي أن أحد خبراء الأوقاف المكناسية كان يسمى عبد الرحمان بن الطالب محمد الفلوسي وهو فلاح وذو خبرة ودراية كبيرة بحدود الأراضي و من غير المستبعد أن ينتمي للقوم الذين كانوا قاطنين بموقع بوعسل "الحمد لله ،أدى شهيديه أبو زيد عبد الرحمان بن الطالب الفلوسي وعبد القادر بن محمد حجاج وهما من أرباب البصر وأهل المعرفة بالأراضي
ـــــــــــــــــــ
(1) الروض الهتون ص 6
(2 ) مزين محمد :فاس وباديتها في تاريخ المغرب السعدي منشورات كلية الآداب الرباط 1986 الجزء الأول ص 221 .
(3 ) البزاز محمد الأمين : تاريخ الأوبئة والمجاعات في القرنين18 و19 منشورات كلية الآداب الرباط1992.
وحدودها وحيازتها عن غيرها وإليهما يرجع الآن في معرفة ذلك بمدينة مكناسة ".
خلال القرن الثامن عشر ، بعد وفاة المولى إسماعيل وفشل سياسة حصار القبائل الجبلية بواسطة الثكنات ، تحركت هذه القبائل في اتجاه السهول ،وأصبح من الصعب تتبع حركات القبائل خلال فترة الاضطرابات لكثافتها حيث وجدت الفرصة ملائمة للنزول الى السهل .كانت قبائل جبال الريف من القبائل التي مورس عليها الحصار والخنق الاقتصادي ، وبفعل دوافع محلية وأخرى ذات طابع عام تتحرك في جماعات نحو الجنوب، و بالضبط نحو جبل زرهون وجلها ،خاصة السباقة منها الى الهجرة، تدعي لنفسها النسب الشريف ، وبذلك فتاريخ نزول الجماعات الريفية الأولى الى زرهون يرجع الى أواخر القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر، أي خلال الفترة السليمانية بفعل تعاقب سنوات القحط والجفاف والمجاعات والأوبئة ، مما جعل منطقة الريف منطقة طرد لأبنائها . ومنذ نزول الجماعات الأولى بزرهون ،لحقت أفواج من المهاجرين بأبناء عمومتهم ،وقد كانت الدعوة للهجرة نحو الغرب في الأوساط الريفية شديدة الإغراء ، وفي هذا المجال يقول أحد المجاديب :
كـــارت، بلاد الحفــا و الحـلفــا ****** حلف المجذوب من هنا يلا زاد خلفــــــا ولـــي بحالك للغـرب يا بالغرايب ****** يــا مول الكساكس و الحــــلايــب وقولهم أيضا :الغرب إطاراح.
فما كان لهذه الدعوة إلا أن تجد استجابة واسعة بين السكان في أرض تعاقبت عليها السنوات العجاف .



الفصل الثاني
موطن زرهون


جبل زرهون امتداد لمرتفعات مقدمة الريف ، تشكل الجهة الغربية منه منطقة التقاء السهل بالجبل ،يصل أعلى ارتفاع به 1025متر عن مستوى سطح البحر(1) ونلاحظ أن الارتفاع ينخفض كلما اتجهنا غربا حيث ينزل عند الواجهة الغربية للكتلة الى 879متر ومباشرة الى433متر عند عين قرية و416 متر عند عين تاقورارت ومن الناحية الشرقية يمتد جبل المركب الذي يصل ارتفاعه الى 701مترقرب مدشر القوار وينخفض في اتجاه زكوطة .
يوجد مدشر بوعسل غرب جنوب غرب مدينة مولاي إدريس حاضرة زرهون على خط طول 8 درجة و82ثانية غرب خط غرينتش وعلى خط عرض37 درجة و83 ثانية شمال خط الاستواء. يمتد على الدير عند التقاء جبل زرهون بسهل بورياح حيث يمتد الشكل التضاريسي الثاني بالمنطقة وهو يحمل من الخصائص الهضبية أكثر من السهلية ، حيث أن واد الرمان يتعمق ليصل ارتفاعه عن سطح البحر 227متر عند عين كرمة مشكلا بذلك وادي عميق . الا أن واد خمان إلى الشرق فيتميز بجريانه السطحي وهو يجري على مستوى 300متر قرب وليلي.
تمتد على الواجهة الجنوبية لجبل زرهون من الغرب الى الشرق مداشر :بني جناد ،بني راشد ، سيدي علي ، بني وراد ، سيدي احمد ، حمراوة ، المغاصيين و موساوة .على الواجهة الشمالية مداشر بوعسل ، فرطاسة ، لقوار ، بوقنفود ، عين بزيز ، ظهر الخلف ، دكارة سيدي موسى ، كرمت ، بني مرعاز ، الجعادنة ، المصامدة ، الكيفان ، المشخة ، ظهر النسور ، الخنادق ، السخيرات ، بني عمار و أولاد يوسف ....
إذا فمن خلال جرد لبعض مداشر زرهون الغربية و الشمالية ، يتضح أن الكثافة السكانية بصفة عامة بالمنطقة مرتفعة إلا أنها تختلف من منطقة إلى أخرى بفعل عدة عوامل ، فإذا كانت ترتفع على الواجهة الجنوبية للجبل فمرد ذلك إلى قدم التعمير حيث تعتبر المداشر الممتدة على هذه الواجهة من أقدم مداشر المنطقة ،ويتضح ذلك من خلال موقعها الجبلي الحصين وعمارتها ، و جل هذه المداشر لازالت إلى يومنا محاطة بأسوار ،و تتصل بالعالم الخارجي بواسطة أبواب كبرى وخير مثال على ذلك هندسة المغاصيين وبني عمار والخنادق التي لازالت تحافظ على خصوصياتها المعمارية على الرغم من تجاوز التعمير الحديث للأسوار و تشويه المعالم الأصلية .
ترتفع الكثافة السكانية أيضا شمال غرب جبل المركب بفعل كثافة الهجرة الوافدة إلى المنطقة :نزل بها مهاجرون قادمون من الريف خلال الأزمات باعتبارها منطقة محصنة طبيعيا .وتنعدم شمال غرب جبل زرهون باستثناء مدشر بوعسل الذي تحدى سكانه الأوائل الحصار الأمني المضروب على المنطقة من طرف برابرة كروان ، وهو تحدي يحمل ألف معنى .





ـــــــــــــــ
(1) عن خريطة PETIT JEAN مطبعةGNFيونيو 1957 عن وزارة الأشغال العمومية والنقل باريس القسم الجغرافي العسكري 1938


الباب الثاني
الحياة الاجتماعية





مدخـل:
يعتبر المجتمع البوعسلاوي مزيجا ووحدة، لما عرفته فئاته القبلية من تمازج وتصاهر وتداخل وتعايش فرضه عليها واقع اقتصادي واجتماعي وبيئي جاء نتيجة حتمية لاحتياجات معيشية ثم دينية فصارع الإنسان هنا الطبيعة وآمن بالخرافة وصنع منها أساطير تغذي حياته وحياة أفراد أسرته اليومية وأن جميع مظاهر الحياة اليومية في هذا المجتمع المزيج أو كما يقول بول باسكون :une société de pêle mêle ،بما في ذلك الحياة على هذه الشعاب المترامية على جبل زرهون وأعمال الصيد والإرتباط بالأرض لهي جزء من ممارسات هذا الإنسان لحريته وحتى موقع القرية المطل على مساحات شاسعة من سهل بورياح(1) كان نتيجة لرغبة أهلها في عدم الانغلاق بل مراقبة الأحداث المترامية على السهل بين قبائل كروان من الجهة الجنوبية الغربية ، وقبائل الشراردة من الجهة الشمالية والشرفاء الأدارسة من الجهة الشرقية .
إن موقعا كهذا كان وليد رغبة في المشاركة في الأحداث الدائرة هناك .وحتى شكل المنزل الذي قد لا يتعدى الغرفة الواحدة وقد لا يحمل حتى الباب لهو تعبير عن رغبة هذا الإنسان في إلغاء كل الحواجز فقد يلقي ببصره من وسط الغرفة على عشرات الكيلومترات .
فكل إنسان يعتبر نفسه مرابطا ومجاهدا لحماية نفسه وذويه وأهل قريته والحرم الإدريسي.







ــــــــــــــــــ
(1)سمي كذلك نسبة الى قبيلة رياح العربية الهلالية التي أنزلها هناك يعقوب المنصور الموحدي سنة 584هـ 1188م وقد عرف السهل معركة شرسة تفيض خشونة وبداوة بين رياح وبني مرين قرب قرية تافرطاست بأرض زيرارة إحدى فرق الشراردة إلا أن تشتيت رياح كان سنة 707هـ 1308م على يد ابن ثابت عامر بن عبد الله بن يوسف بن يعقوب بن عبد الحق بن محيو ،والراجح أن اسم السهل اشتق من اسم القبيلة وليس من الرياح كما هو سائد نظرا للرياح الشديدة التي تهب على المنطقة .



الفصل الأول
الســكـان






إن التركيبة السكانية لزرهون الغربية هي نتاج مرحلة تاريخية ترجع الى قرون سابقة لكن هذا لا ينفي أن المنطقة لم تكن تعرف استقرارا بشريا مكثفا قبل القرن التاسع عشر .الا أن المؤكد هو أن الفئاة الإجتماعية الحالية ليست استمرارا للعناصر التي سبق أن عمرت بعض القرى كبوعسل مثلا في السابق .
فالمجتمع البوعسلاوي ـ كما أشرنا ـ هو مزيج ووحدة ، فهو مزيج من حيث تداخل عناصره البشرية الحالية وبنياته الاجتماعية ، ووحدة من حيث عاداته وتقاليده وأعرافه.

الهجرة:

كانت الهجرات البشرية ـ ولا تزال ـ من أهم الظواهر التي ارتبطت بالانسان منذ ظهوره ، فهو في حركية دائبة من مكان إلى آخر، إما هربا من مخاطر الطبيعة و كوارثها أو أملا في إيجاد الطعام و الاستقرار والأمن والسلام ، فكان من نتائج هذه الحركية أن تشكلت الخريطة البشرية الحالية، وزاد من نشاطها ظهور مناطق للجذب السكاني، ربما تتيح فرصا طيبة للعمل والنجاح وتحقيق الذات و التخلص ـ ولو إلى حين ـ من قسوة الظروف المادية و الاقتصادية و الاجتماعية و السياسية ، و قد تتيح الحياة المستقرة أيضا ـ بشكل أو بآخر ـ في مواطن الوفود ، رغم كل ما قد يحيط بهذه الحياة من صراع و كفاح وإحباط ونجاح أو فشل فرصة للإنطلاق والتحرر من جديد .
إن أي قراءة لتاريخ الهجرات الإنسانية منذ القديم لا يمكن إلا أن نميز ضمنها بين نوعين من الهجرات :هجرات إرادية أي تلك التي تتم بمحظ إرادة المهاجر ورغبته، أو اضطرارية تمليها ظروف و قوى خارجة عن إرادة المهاجر .
من الصعب وضع تعريف أو تحديد دقيق وواضح لمفهوم الهجرة ، فمن الدارسين من يكتفي بتعريفها بأنها :( النقلة الدائمة إلى مكان يبعد عن الموطن الأصلي بعدا كافيا )، إلا أن هذا التعريف يفتقر إلى الدقة والوضوح ، خاصة فيما يتعلق بالبعد الزماني المتمثل في كلمة " دائمة "، والبعد المكاني المتمثل في عبارة "بعدا كافيا " ،فالشخص الذي يترك وطنه إلى وطن آخر، ويقيم فيه بقية حياته، يعتبر مهاجرا. بينما الشخص الذي يذهب إلى مدينة مجاورة ، ويمضي فيها بضع ساعات ،يعتبر مجرد زائر . ويبقى بين هذين الطرفين صف طويل من الحالات و الأوضاع الوسيطة يصعب التمييز بينها تمييزا قاطعا . فالإقامة في بلد الإستقبال لبضعة أشهر، تعتبر هجرة مؤقتة، بينما الإقامة في هذا البلد لمدة تزيد على العام ، تعتبر هجرة دائمة .لكن هذه التحديدات لا تأخذ بعين الإعتبار نية المهاجر ، والظروف التي قد تظهر فجـأة وتمنع من تحقيق هذه النية أو هذا القصد.
نستنتج من هذا التقديم ، أن كل من عنصري الزمان والمكان يصعب الإكتفاء بهما في تعريف الهجرة ، بل ولابد من الإشارة إلى عناصر أخرى ذات أهمية خاصة ، وهي عناصر ذاتية نفسية واجتماعية وثقافية ترتبط بإحساس الفرد المهاجر ، ونظرته الى عملية انتقاله و الهدف منه ، وشعوره إزاء الموطن الجديد ، وتكيفه معه ، وتقبله لقيم ذلك الموطن وعاداته و تقاليده ، والتفاعل معه .
الهجرة إذا، ليست مجرد " نقلة جسدية من موطن لآخر، وإنما هي أيضا موقف عقلي و اتجاه ذهني وتوجه نفسي من المهاجر ذاته، فضلا عن كونها جواب اجتماعي لظروف متعددة في أفق تحقيق شروط ومتطلبات البقاء .
دواعي الهجرة:
من الصعب حصر تاريخ الهجرة من الريف في اتجاه منطقة زرهون لامتدادها على فترات طويلة استمرت حتى خلال الفترة الإستعمارية وذلك تبعا لطبيعة العوامل الطاردة من المنطقة وقد حصرناها في أربعة عوامل أساسية هي:
1ـ العلاقات القبلية و مساهمة النزاعات الداخلية في الهروب من منطقة الصراع .
2ـ العوامل الإقتصادية وضغطها على الإنسان للبحث عن مستوى عيش أحسن .
3ـ الحركات العسكرية وعلاقة السلطة المخزنية بالريف .
4ـ المجاعات والأوبئة ودورها في تحريك أمواج بشرية من مناطق إلى أخرى .
لقد عملت هذه العوامل مجتمعة لتحريك ظاهرة الهجرة في مناطق مختلفة من أرض المغرب .وهي تعكس بالتفصيل الوضع الذي كان عليه الريف خلال فترة الهجر .

1ـ ضغط العلاقات القبلية :
أسهب الإثنوغرافيون و السوسيولوجيون الاستعماريون في وصف المجتمع الريفي بالوحشية الفظيعة كشعار للريفيين و على رأس من نحى هذا المنحى :أوغيست مولييراس Auguste Moulieras في كتابه * المغرب المجهول* * Le maroc inconnu * ـ الذي نتوفر على نسخة منه مطبوعة بوهران في دجنبر 1895 حصلت عليها من أستاذ التاريخ المعاصر بجامعة محمد الأول بوجدة ـ حيث يشير إلى أن الأسواق كانت (... تعرف معارك حقيقية بالبنادق بين أعضاء مختلف القبائل ...يلاقي فيها خمسون أو ستون شخصا حتفهم ) (1)
والملاحظ أن أسواق الريف إذا عرفت سقوط هذا العدد الهائل من الضحايا ستكون مسرحا لإبادة جماعية خلال فترة قصيرة والمبالغات من طرف مولييراس مردها إلى كونه لم يزر الميدان المدروس أي الريف المغربي بل اعتمد على تصريحات درويش موهوب هو محمد بن الطيب والكتاب *ملئ بالأخطاء الفادحة ،إلا أننا نظل مشدوهين أمام حجم المعلومات الدقيقة*(2)
وأشار جاك دومين (3) الى الحروب الداخلية المدمرة القائمة على أسباب تافهة كحروب السبع سنوات التي نشبت بسبب هلاك كلب.










ـــــــــــــــــ
(1) Auguste moulieras Le maroc inconnu Oran 1895page 83
(2)بول باسكون المكتوب والمنطوق مجلة أبحاث عدد 3دجنبر 1983 صفحة 7
(3)يرى جرمان عياش أن جاك دومين هو الاسم المستعار الذي اتخذه روبير مونطاني .


أما وستر مارك وكون Westermarck et Conn فقد تحدثا عن أعمال القساوة والخشونة التي تميز هذا المجتمع وحسب ويستر مارك فان الريفي لم يكن يعتبر كامل الرجولة إذا تزوج ولم يسبق له أن قتل ولو مرة واحدة .
وردا على أطروحات الإستعماريين الخاصة بحالة الفوضى التي كان يعرفها الريف أكد جرمان عياش على وجود *مجالس ابتدائية تشرع القوانين على الصعيد المحلي وتفوض سلطتها لشيوخ يتولون الحكم باسمها وتحت إشرافها ويمثلونها في مجلس الفخذ للمساهمة داخله،وعلى قدم المساوات في الإدارة الجماعية *(1).
وبذلك فإننا أمام نوع من الديمقراطية المحلية وإن كانت تستثني الأبناء والفلاحين المعدمين فإنها رغم ذلك ذات تمثيلية واسعة نسبيا لأن اتخاذ القرارات كان عمليا يتم بصورة جماعية .
وبذلك فإن أصحاب الطرح الأول يقسمون ساكنة هذا المجتمع إلى قسمين :الأول تحت التراب والثاني محكوم عليه بالموت في انتظار التنفيذ. أما الطرح الثاني فيصور المجتمع الريفي بمؤسساته المحلية كشكل أرقى من عدة مؤسسات ديمقراطية عبر التاريخ في مناطق مختلفة من العالم .
والملاحظ أن كل طرف يغالي في طرحه كوسيلة لإثبات الفكرة التي يطرحها ،إلا أن الحياة الإجتماعية في الريف كباقي المناطق المغربية النائية عن المخزن المركزي في العاصمة كانت تخلق لنفسها بعض المؤسسات للنظر في قضاياها المحلية .أما العلاقات الإجتماعية في إطار مجتمع قبلي على غرار باقي المجتمعات القبلية في المغرب مع مراعاة بعض خصوصيات المنطقة كانت لا تزال تحمل بقايا العلاقات * البدائية *(2)وقد كانت هذه العلاقة جزء لا يتجزأ من الحياة اليومية لأفراد القبيلة وقد ساهمت هذه العلاقات في طرد بعض الأفراد والجماعات من القبيلة أو فرارهم خوفا من عقاب العرف ـ ولنا عودة مع عدة أمثلة من هذه الحالات المهاجرة إلى بوعسل ـ .
2 ـ ضغط العلاقات المخزنية :
لقد كانت هذا المجتمع بالمخزن أكثر من علاقة اعتراف بالسلطة الدينية للسلطان ورفض أداء الضرائب حيث أن أصحاب هذه الفكرة يطلبون شروط لتحديد *أرض المخزن * أهمها ضرورة توفر موظفين معينين من العاصمة وبالفعل فعلى امتداد 1835ـ1900 تشهد الوثائق ولو جزئيا على وجود ممثلين مباشرين للسلطان في الريف ، هذا بالإضافة إلى أن وجود ست قصبات في مختلف أطراف الإقليم وهي عبارة عن ثكنات محصنة مع حامياتها ، بالإضافة إلى سلطة عماله ، كان المخزن يلجأ إلى سلطة الشرفاء او الطلبة ممن كانت لهم شهرة دينية .
أما بالنسبة لأداء الضريبة فلم يثبت لحد الآن أن سكان الريف لم يكونوا يؤدون الضرائب إلى الدولة نقدا أو جنودا . فقد شاركوا في حرب تطوان ضد الجيش الإسباني سنة 1860 ورغم ذلك فإن تطور الأحداث دعت جيوش السلطان الى التدخل في الريف في أكثر من مناسبة لقتل الناس وتحطيم المساكن خلال سنوات 1864ضد سكان الحسيمة و1871ضد قبيلة قلعية و1893ضد قبيلة بقيوة و 1898ضد نفس القبيلة مرة أخرى ، مع العلم أن هذه الحركات لجيش السلطان كانت تكون دائما مصحوبة بالخراب والدمار الإفقار والتشريد .وخوفا من هذه النتائج التي كانت تخلفها الحركات المخزنية ورائها في صفوف القبائل الريفية كان الجناة يفرون ولا يتعرضون للعقاب إما بمساعدة الزوايا ـ الزاوية الوزانية مثلا ـأو بعض الدول الأوربية (3)التي تتعامل معهم وبذلك يفلتون من ضربات المخزن فتبقى الفئة المستضعفة تواجه مصيرها ويضطر أعضاء منها أيضا إلى الفرار ومغادرة أرض يعتبرها العسكر المخزني مباحة للسبي والغنيمة .
ــــــــــــــــ
(1)جرمان عياش المجتمع الريفي والسلطة المركزية 1850ـ1920دراسات في تاريخ المغرب الشركة المغربية للناشرين المتحدين 1986صفحة 195.
(2)انجلس فريديريك:أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة دارالتقدم موسكو 1981صفحة 26
(3)رسالة من أحمد بن موسى إلى محمد الطريس بتاريخ 3ربيع الأول 1316 /22يوليوز 1898 تطوان 25 ـ37 ورد جزء منها في دراسات في دراسات في تاريخ المغرب لجرمان عياش صفحة 212

ـ ضغط الظروف الإقتصادية :
ظل المجتمع الريفي مجتمعا بدائيا إلى عهد قريب فهو يتكون من مزارعين مرتبطين بالأرض وغراسي الأشجار المثمرة ومربي الماشية إلا أن وسائل العمل ظلت بدائية أساسها المحراث الخشبي العتيق والطرق منعدمة وكذا العربات كما أن النقل على ظهر الإنسان هو الشائع نظرا لقلة الدواب وطبيعة المنطقة الجبلية ،إلا أن الإرتباط بالأرض في إقليم جبلي حيث الأراضي الزراعية تنحصر في الشعاب و الأودية و منحدرات السفوح ، وبالإضافة إلى ضيقها يزداد جفاف ا